الجمعة، 14 سبتمبر، 2012

الأفق المحجوب..


لي صديق تجاوز بحساب الأرض عشرين عاما بقليل، لكنه بحساب الجرح والآلام تجاوز مليارات السنين.
لصديقي هذه فلسفة مفادها أن الذكاء يأتي مفردا، بينما الغباء يرافقه دائما الحظ الحسن.
انه يعتقد  ان البشر نوعين: نوع خلقوا بؤساء..كان هذا قدرهم من أول لحظة وطأت فيها أقدامهم أرض الحياة، وسيظل هذا أيضا قدرهم إلي ان يغادروها.

والنوع الآخر هم أولئك المترفون الذين يحصلون -دون جهد- علي ما يريدون.
يكفي أن يطلب أحدهم شيئا ليناله، أو يتمني أمرا فيتحقق له.
ان البشر -كما يقول- علي سطح هذا الكوكب لا يحصلون علي فرص متكافئه..ان الاقدار تحابي بعضهم علي طول الخط..بينا هي تعادي بعضهم ابدا.

ولا يدري صديقي هذا سببا لذلك حقا لذا فهو يلجأ الي تحليل بسيط لتعليل ما سبق..
تحليل يمكن اختصاره في كلمة واحده..(الحظ).!
يري صديقي أن هذا هو التفسير الوحيد الذي يمكن أن تستقيم علي ضوئه الامور..
ومن ثم فهو ينظر الي (الحظ) علي اعتباره عاملا خطرا يتدخل تدخلا سافرا غير عادل في حياة البشر.
زميلا صف واحد..الاول منهما اكثر ذكاءا وحنكة وبراعة وموهبة..بينما الاخر عبارة عن كتلة من الغباء المتحرك..
ومع ذلك يحصل الاغبي منهما علي كل شيء..
المال..الاسره..المكانة الاجتماعيه..الخ.
بينما يبقي الاخر عاطلا من كل شيء.
...(انه الحظ).
فتاتين احداهما اكثر طهارة ونقاءا ورقيا وتبتلا من الاخري..ومع ذلك لا تشفع لها كل تلك الصفات..وتحصل أدناهما أخلاقا وجمالا علي فرصة زواج وحياة اسرية أفضل من الاولي بكثير..
انه الحظ مرة اخري..هكذا يقول.
الكثير والكثير من التناقضات والمفارقات الساخرة العجيبة التي تمتلأ بها الحياة يقف صديقي امامها طويلا متأملا..دون ان يجد فيها وجها للعدالة المنطقية او الحق الفلسفي..
وتأخذه تلك المفارقات فيغرق في تأملها في شرود..ثم يرفع الي عينيه المثقلتين من اوجاع الحياة..وهو يزفر في يأس قائلا: هل تري..كل هذا هراء..
الحياة..القيم..المباديء..المثل..الحق..العدل..
كل هذا لا يساوي ثمن الحبر الذي يكتب به.
ان حياتنا بلا قيمه..نحن موجودن فقط لنخدم اولئك الحسني الحظ..
اما نحن..فلا قيمة لنا في حس القدر ولا جود.

وكنت انا استقبل ثورته هذه في هدوء..وصمت.
انني اتفهم ما يمر به..لهذا لا الومه كثيرا..بل وربما اعذره..
لقد مر بالكثير..ان حياته عبارة عن سلسلة من الكوارث المتتاليه..تماما كمساء ليلة عاصفة ممطرة لم تكف فيها قطرات المطر عن ضرب زجاج نافذة صغيرة بائسة لحظة واحده..
ان بعض البشر حياتهم مريرة حقا..
لهذا فانا اشفق عليه..
لا اتفق مع تفسيره ووجهة نظره للأمور..ولكنني اشفق عليه.
ان خيط المصائب عندما يتتابع ويضيق علي عنق البائس المحزون شيئا فشيئا دون ان يري يد القدرة الالهية تعمل، قد يحيك في النفس اكثر من هذا..
سيما ان فقد الانسان زاده تباعا...الصبر والصلاة.
لهذا نظرت اليه في صمت دون ان اجادله..
وبصعوبة بالغة حجزت عقلي عن الابحار فوق براكين مآسيّ انا الاخر..
خوفا من ان ينتهي بي الامر الي ما انتهي اليه به..
ان اليأس هو اسرع الطرق الي الكفر..والقنوط هو ايسرها مؤنة الي الالحاد..
ولو استرسل العقل مع الآمه ومصائبه وما مسه طوال عمره لأصابه مالا تحمد عقباه..
وتزداد المآسي ان كان  يزن الامر بما يزنه به صديقي..ويعتقد ان مرد كل شيء الي ذلك الحظ الاعمي الذي يخبط خبط عشواء..
ان حالي لا يقل بؤس ومرارة عن حاله..لكن عزائي ان الله يعلم ولا اعلم..ويقدر ولا اقدر..وانه ارحم بي من نفسي..وانه علام الغيوب
(وعسي ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم..وعسي ان تحبوا شئيا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون).
القي هذا علي روحي بعض السكون..وافاض علي قلبي شيئا من الراحة والطمأنينة والهدوء..
لكن صاحبي مايزال امامي يئن من سطوة القدر..ويشتكي من عذابات الدهور.

                                                          نور

هناك 4 تعليقات:

  1. عـلَّـمـتـنـي الحياةُ أن أتلقّى.... كـلَّ ألـوانـهـا رضـاً وقبولا


    ورأيـتُ الـرِّضـا يـخفِّف أثقا....لـي ويُـلقي على المآسي سُدولا


    والـذي أُلـهـم الـرِّضا لا تراهُ....أبـدَ الـدهـر حـاسداً أو عَذولا


    أنـا راضٍ بـكـل مـا كتب الله....ومُـزْجٍ إلـي...ـه حَـمْـداً جَزيلا


    أنـا راضٍ بـكل صِنفٍ من النا....سِ لـئـيـمـاً ألـفيتُه أو نبيلا


    لـسـتُ أخـشـى من اللئيم أذاه....لا، ولـن أسـألَ الـنـبيلَ فتيلا


    فـسـح الله فـي فـؤادي فلا أر....ضـى مـن الحبِّ والوداد بديلا


    فـي فـؤادي لـكل ضيف مكان....فـكُـنِ الـضيفَ مؤنساً أوثقيلا


    ضلَّ من يحسب الرضا عن هَوان....أو يـراه عـلـى الـنِّفاق دليلا


    فـالـرضا نعمةٌ من الله لم يسـ....ـعـد بـهـا في العباد إلا القليلا


    والـرضـا آيـةُ البراءة والإيـ....ـمـان بالله نـاصـراً ووكـيلا

    ردحذف
    الردود
    1. قصيدة الشاعر (محمد مصطفي حمام) من أحب القصائد وأقربها الي قلبي..
      جزيتم خيرا علي التذكير بها..
      ونسأل الله ان ينعم علينا -وعلي جموع المسلمين- بنعم الصبر والرضا واليقين.
      آمـــــــين..

      حذف
  2. حديث النفس ذو شجون ..
    كل منا يتمرد بداخله ذاك الصديق .. يرغي و يزبد و يعلنها ثورة .. يتنكر فيها لما آمنا به من مبادئ و قيم و تبدو في حسابه غير ذات جدوى !
    يصخ آذاننا بالصياح أحيانا حتى نكاد نصدقه .. فتدركنا رحمة الله و تمتد إلينا يد حانية بالتثبيت و الطمأنينة .. نتوجه على إثرها إلى الصديق الثائر بخطاب العقل و الروح .. نجلي له ما خفي عن ضيق مداركه و نؤمله في ما عند الله من غيب قريب و آخر بعيد..

    تلك معركة أزلية ساحاتها نفوس مطمئنة و ضمائر يقضة .. و النصر فيها .. نصر في ميادين النزال .

    ردحذف
    الردود

    1. (ان اعدي اعدائنا هو نحن...وابشع الوحوش هي تلك الرابضه في اعماقنا...وان الذي لاتقتله نفسه في حال الخلوة معها لهو انسان محظوظ حقا.
      ____________

      نسأل الله ان يقينا شر اليأس..وبأس أحاديث القنوط.

      حذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..