الأحد، 18 نوفمبر 2012

عن الضيق..الإكتئاب..العربدة..وما إلي ذلك من أمور..!


كلنا يبكي..كلنا متشائم..ولكل منا ماضٍ مفعم بالقسوه..
انا لست سعيدا..فهل انتَ..وهل انتي..؟؟
حسنا يا شباب أري شبه إجماع علي تعاسة المجموع
قد يشذٌّ احدنا ويفرح يوما او اثنين..او أسبوعا علي أقصي تقدير.
لكنا ننظر الي بعض في خبث..ويتمتم احدنا في ثقة..لا تقلقوا سينضم الينا عما قريب.!
انني افكر مثلا فيما لو قررت نشر اعلان في الصحف غدا عن بدء تأسيس
حزب الحزاني..أو المجروحين..اوالمكتئبين..
او الطبيعين الذين يحسون انهم ليسوا طبيعيين..!
باعتقادي ان هذا الحزب سيشكل اغلبية ساحقة قد يصل مجموعها الي تسعين بالمائة من مجموع الشباب علي اقل تقدير.
لكننا طبعا لن نعدم أن يخرج علينا واحدا من هؤلاء السادة الذين ينتعلون العوينات -ولا يلبسونها!- ليقرر في ثقة تامة -وهو يتأمل الطلاء الاحمر البراق الذي تضعه المذيعة الشقراء الفاتنة علي اظافرها- أن هؤلاء الشباب
 في الحقيقة مجرد مجموعة من الرقعاء..!
انهم يظنون الحياة سهلة..لهذا يحلمون ويحلمون..
ثم في النهاية يصدموا ويكتئبوا ويخرج احدهم -بالملابس الداخليه- نامي اللحية منكوش الشعر متعرقا ،ليقف في شرفة منزله المطلة علي الشارع وهو يصرخ انه قد اشمئز من الحياة بما فيها..!
     والحل في رأيك يا دكتور -تسأله المذيعه-..؟
مزيد من النظرات لطلاء الاظافر ،يرافقها مزيد من نظريات علم النفس 
التي تتهم كلها الشباب بأنه تافه ووضيع.
الحل يا دكتور..؟
تكررها المذيعة في ملل وهي تود ان لو أعلنت انها مكتئبة ،
ولا تحتمل الاستمرار في هذا اللقاء اكثر من ذلك..
ليتنهد المذكور في حسرة -لانه سيحرم من متعة النظر الي هاتيك المخالب الزرقاء الفاتنة-
وليجب: مع الوقت سيتكيفوا..!!
وهي اجابة كما تري ليست عبقرية الي الحد الذي يدفع هؤلاء القوم الي استضافة هذا الرجل ليقررها.
مع الوقت سيتكيفوا..ويكفوا عن الشكوي..وتختفي نبرة التمرد علي الآم الحياة وأوجاعها، ثم يعيشوا في خنوع كما عاش من سبقهم..
حتي يأتي عليهم اليوم الذي يصبح فيه الصمت ضريبة لابد أن يحصلها منهم ملك الموت ذاته.
اذن -نستنتج من هذا- أن نظريات هؤلاء السادة -من أصحاب العوينات- تتلخص في امرين..
الاول: اننا تافهين لهذا نصاب بالاكتئاب..!
     الثاني: اننا كنا نظن الحياة اجمل..لهذا فنحن نتلقي العقاب العادل علي هذه الظنون الاثمه..!
ولربما بدا هذا الكلام جميلا مقنعا للوهلة الأولي، لكننا لو ألقينا عليه نظرة من الداخل فالامر سيختلف نوعا ما ان أردت رأيي.
فمن الواضح ان ظاهرة الحزن..والاكتئاب..والقرف من الحياة بما فيها ليست حكرا علي التافهين الفارغي العقول فحسب..
بل ان هؤلاء قد يكونوا افضل حالا الف مرة من أصحاب العقل المفكر، او من أولئك الموهوبين الذين لا تجد البشرية لذّتها الا اذا أخمدة جذوة هذه الموهبة في مهدها..
ان المقياس الذي بات يستخدم 
لتصنيف الشاب التافه هو الثالوث الخطير: (المخدرات - السُكْر - العربده)
وكلما انغمس الشاب أكثر في هذه الاشياء كلما دلّ هذا -بالضرورة- علي انحطاطه وسفالته اكثر وأكثر..!
انهم في هذه الحالة يتعاملون مع المخدر -ايا ما يكن نوعه- علي اعتباره فعل..
لكنهم ربما غفلوا -أو تغافلوا- ان الحقيقة قد تكمن في كونه رد فعل..لا فعل.!
هل جربت قبلا ان تسحق تحت وطأة الحياة..؟
هل مُرست عليك من قبل هواية التحطيم المنهجي المدروس من خلال كل من يحيطوا بك..
البيت-الشارع-المدرسه-وسائل الاعلام-الثقافة المجتمعية السائده..الخ..؟
انت تصاب بالاكتئاب لسبب ما -وما اكثر هذه الاسباب-
فتتأخر في دراستك فينعتك والدك بالفشل..وترمقك والدتك شزرا..
وتتعامل معك -خالتك- علي اعتبارك خطرا علي ابنها الذي ينتظرُ منه العالم ان (يحكّ) رأسه في غموض ثم يوحي اليهم بسر القنبلة (الديترونيه)..!
وتوصي جارتك ابنتها -الدائرة علي حل شعرها اصلا-
 الا تعيرك اي اهتمام لأنك علي حد وصفها (ولد بايظ)..!
تذهب الي المدرسة اوالجامعة فتجد فيهما صورة مصغّرة
من سجن (ليمان طره)..
ابشع كمية من المجرمين والافّاقين والكذّابين يمكن ان تجدها في حياتك،
ويبدوا من الواضح ان الجميع يأخذ بيدك الي الاسفل..فالاسفل..فالاسفل أكثر..
تحاول ان تقاوم..
وتحاول أن تبحث لك وسط هذا العفن الجاهلي عن يد تمتد اليك كيد من خلال الموج مدت لغريق
 -علي حد تعبير ابراهيم ناجي- وستجد حتما.
لكن ان كنت سيء الحظ -وهو ما اثق فيه!- فسيوقعك قدرك في نوعية بشر من تلك العينة التي تجيد التظاهربالرقي الكافي..والادعاء للطهر والتسامي..
ثم تكتشف سريعا انهم العن طرّا من المجرمين والافّاقين والبلطجيه الذين تقابلهم كل يوم في المدارس والجامعات، وعلي مقهي (المماليك).
   وحينها ستجد امامك طريقين للهرب..يتحدد لك سلوك ايهما بناءا علي شخصيتك نفسها..
فإن كنت تفتقر الي الشجاعة اللازمة -مثلي- فستحاول الهرب عن طريق
إدمان القراءه..أو النوم..!
القراءة في كل شيء..الا في تخصصك..!
والنوم..كأكسل حيوان عشبي عرفه التاريخ..!
فإن ازدادت عليك المشاكل التي لا حل لها -وما اكثرها في حياة الشباب- فقد تجنح -علي سبيل التهور- الي ابتلاع حبة منوّم يستمر مفعولها لمدة اثنتي عشرة ساعة كاملة 
كنوع من العربدة النفسية لا اكثر ولا اقل.
وتقضي العمر في الاستماع الي صوت (فيروز)، وهي تؤكد في حزم:
(ان الناس سطور كتبت لكن بماء).
 او تقضيه في قراءة دواوين الشعر وروايات الادب العالمي المترجمه،
والبكاء علي حالك كلما تيسر لك ذلك. 
واما ان كنت تتحلي بالشجاعة اللازمة لتسلك طريق الهروب كما ينبغي..
فالامر مختلف..وكل شيء متااااح..
نساء- خمور- مخدرات-وحانات منتصف الليل ذات السمعة السيئه.
       ويصبح شعارك في الحياة هو: اشرب لتنسي..وعربد لتنسي..ثم لا تنسي في النهاية ان تنسي انك اصلا تفعل ذلك كله كي تنسي..!
ومن هنا يتم التعامل معك علي اعتبارك خطرا علي المجتمع، وتسعي القوانين الوضعيّة كلها -ولو ظاهرا- الي اجتثاث بذرتك الخبيثة من تربة الارض بأي ثمن.
فإذا ما قدر لك ان تجد من ينظر اليك بعين الرحمة فسيتعامل معك علي ان غاية مشاكلك هي العربدة والسكر والمخدرات فحسب..
ثم يبدأ -في نشاط ظاهر- في محاولات علاجك.
وهي غالبا ما تنجح مؤقتا..ثم يتفاجأ انك قد عدت الي ماضيك..
وحينها يبصق في وجهك معلنا في اشمئزاز انه آسف لكونه قد تسبب في ضياع وقته الثمين مع وغد منحط الاخلاق مثلك.
فتنظر اليه انت في لا مبالاة كاملة، وتود لو صارحته انك لم تفعل ما تفعل من اجل أنك نظرت الي المرآة ذات يوم فوجدت نفسك تمتلك نظرات ثاقبة فقررت ان تبدوا تاجر مخدرات مثلا..
انك لم تسلك هذا الطريق مرغما..لكن مضطرا..
انك فعلت ما فعلت لتنسي مشاكلك الاصليه..
لتهرب من واقع مرير احاط بك من كل اتجاه..
لكن كثرة ما تناولته من مخدرات تثقل حاجبيك، وتغلق عينيك، فتتثائب في كسل ثم تلوح اليه بالمطواة (قرن الغزال)
-التي اضحت بمثابة أصبعا سادسا لك من كثرة استعمالها- كناية عن تحية الوداع..
ثم تخبره ان نهاره فلّ -بينما الساعة فوق رأسك تشير الي العاشرة مساءا-
لتعود مرة أخري الي عالمك القديم،ولتنغمس مرة ثانية في نهر المخدرات لتنسي..  
ثم ذات يوم تقرر انك وغد، وانك قد ارتكبت من الاثام والشرور ما يكفي 
كي تنتهي حياتك عند هذا الحد.
فتتوجه الي اقرب محل ادوات فلاحه لتبتاع منه حبلا -في مقابل قطعة من الحشيش تعطيها علي سبيل المقايضه للبائع- ثم تتوجه لتشنق نفسك في غرفتك الخاصه.
وان كنت حسن الحظ فلن ينقطع الحبل، وستتم عملية الشنق في هدوء..وصمت.
لكن في اللحظة التي تسبق تدلي اللسان خارج الفم، تتذكر أنك كنت في يوم ما شاب واعد ينتظره مستقبل مشرق لولا ما حدث..
انت لا تفهم ماذا حدث..ولماذا حدث..؟
وتتمني أن لو..
لكن هذا لم يعد يفيد الان..
يحدث عنقك تلك الحشرجة المعهوده ثم..
بعدها -بثلاثة أشهر تقريبا- تكتشف أسرتك ان لم تعد تثير المشاكل كما عودتهم..
فيتجاهلون الأمر لمدة شهر آخر.!
لكن مرور خمسة أشهر عليك دون ان تخرج من غرفتك هي مدة قد تدعوهم للقلق حقا..
فيقررون ذات مساء هاديء وبعد وجبة عشاء متخمه، أن يبدؤا بالسؤال عنك،
فينتدبوا أختك الكبري للقيام بهذه المهمه لكنها تعلن -في تكاسل- أن ورائها مذاكره،
فيرجوا من أخيك الاصغر ان يتفقدك، لكنه يعلن -في اسف- انه مضطر اضطرارا -مع كامل التهذيب- لرفض طلبهم هذا، بسبب انه يشعر بتنميل في اصبعه الأصغر الخاص برجله اليسري.
فيتحولون في النهاية الي أصغر افراد البيت، لكنها مشغولة تتسلي بالبصق -من شرفة البلكونه- علي المارة الذين يسيرون في الشوارع، الأمر الذي يدعوها لتتجاهل ندائاتهم ،
 لكن (شخطة) عالية من ابيك تقنعها ان تترك البصق علي الناس -مؤقتا- لتذهب فتكمل البصق علي باب غرفتك.
تستمر الصغيرة في قرع الباب لمدة سبع ساعات متواصلة قبل أن تري ان الامر يستدعي اخبار العائله..
والتي تبدأ -واحدا تلو الآخر- علي التناوب في تهشيم باب غرفتك، 
وهي هواية محببة جدا لدي الأهل في هذه الأيام.
ليجدوا في النهاية هيكلا عظميا يتدلي من قطعة حبل رثة مربوطة بإحكام في سقف الغرفه.
يتسرب شيء من الشكّ الي داخل نفوسهم بأنك قد تكون ميتا، لكنهم غير متأكدين من هذا بعد..
فليس كونك متدليا من السقف جاحظ العينين متدلي اللسان، دليلا قويا علي كونك ميتا علي الارجح..!
لكن من باب الاحتياط -وحتي لا يتهمهما احد بالتقصير فيما بعد- (ترقع) امك بالصوت (الحيّاني)..
ليبدأ الجيران..فالشارع..فالحي..فالمحافظة..فمصر بأكملها في الإحتشاد داخل غرفتك.
ولو كنت تمتلك عقلا لم تغيبه المخدرات لكتبت وصية 
تطلب فيها ممن يدخل غرفتك ان يدفع (جنيها) بدل نظر.
علي الاقل حينها كان يمكن ان تموت وانت مطمئن البال علي مستقبلك المالي!.
احدي الجارات بمجرد أن تنظر الي جسدك المتأرجح في الهواء، تضرب يدها علي صدرها في قوه ثم تصرخ: (يا ندامتي،ماله دا يا ولاد!)
وهو سؤال ذكي جدا يغريك ان تعود للحياة مرة اخري، لتتناول عقب سيجارة من جيب بنطالك ثم تجيبها في لامبالاة بتلك الاجابة المسرحية الشهيره:
 شوفتيني وانا ميت..أجنن مش كدا..؟!
ومن أحد الواقفين تمتد يد غليظة لتوضع علي كتف والدك داعية اياه الي التجلّد..
متذكرا يصتنّع والدك البراءة ويتصنع الاخبات، وتلمع عيناه -وبما انك ميت فلا تدري اهذا لمعان فرح لتخلصه منك ومن (قرفك)، أم لمعان حزن لانك لم تسدد له مبلغ العشرين جنيها
 الذين استلفتهم منه في يوم من الايام-
ثم يقول في ايمان ظاهر -ما معناه: انه راض  بقضاء الله..وصابر.
وربما يأخذه الموقف أكثر فيقرر: إنه يحتسبك عند الله شهيدا.!         
ومن بعيد تتعالي (سرينة الشرطه) والتي تحضر متأخرة كالعاده- ويصحب الضابط معه أحد أقربائه من صحفيي الجرائد الصفراء إياهم،
ليتسلي بالتقاط بعض الصور التذكاريه للجثه، وللجمع الكريم من الحضور،
بينما يمارس قريبه -ضابط الشرطه- عمله وهو يضيق عينيه في ذكاء ليسأل أهل المنزل في صرامه: (هو كان مدايق من حاجه يا اخوانّا..؟!) 
وهو سؤال ذكي آخر ،يدفعك دفعا الي العودة من الموت لتخبره انك فعلت ذلك بنفسك من باب التسلية ليس أكثر..
لولا انك قد فعلتها قبلا -وعدت من الموت- لتجيبْ عن سؤال جارتك.
ومن الصعب نوعا -فيما احسب- أن تعود من الموت كل خمس دقائق لتجيب عن الاسئلة التي يطرحها الحضور.
ولم انتحرت اذن مادمت مغرما بالاجابة علي الاسئلة هكذا من الاساس.؟
وبرفق يُنزل رجال البحث الجنائي الجثة المعلقة، ثم يقومون بتفتيش جيوبك بإحكام،  ليخرجوا منها علبة سجائر، ومطواه، وولاّعه سخّان، وتذكرة مترو،
  وسبع جنيهات -علي سبيل الفكّه- 
ثم أخيرا صورة فتاة جميلة الملامح، تمتلك نظرات حادة كالنمر -ومن المؤكد انها السبب الرئيسي وراء خراب بيتك-.
تنتهي الليلة وتُواري انت اقرب مقبرة لمنزلك دون جلبه.
 لينزل الخبر ثاني يوم في الجريدة الصفراء اياها..
 (انتحار شاب بسبب تعاطيه جرعة كبيرة من المخدر)
ومكتوب تحت صورتك -التي تبدوا فاتنة وانت جاحظ العينين-
تلقت مباحث () بلاغا ينذر بوجود حالة وفاة في العقار رقم () بمدينة ()،وعلي الفور كلف السيد اللواء() كلا من السادة الضباط () و () و() ،يعاونهم في ذلك الامين اول شرطه () و () ،وبصحبتهم قوّة من المديريه واستقل الجميع سيارة شرطه تحمل رقم ()...
....الخ هذا الهراء الذي نقرأه في الصحف يوميا.
وان كنت حسن الحظ حقا بعد موتك فسيتذكرك احدهم  ليدعوا لك بالمغفرة والرحمه..
ثم ..لا شيء..كأنك لم تكن أصلا في يوم ما من الايام.
وهكذا تنتهي حيوات كثيره بهذه البشاعة الضاربة، 
والسبب -كما يقولون دائما- جرعة مخدر زائده..او كمية (هيروين مبالغ فيها)..الخ.
بينما السبب الرئيسي قد دفن بموتك..
واحتملت انت شرّ وزرك كله لتنوء بحمله مفردا، 
بينما المجرم الحقيقي يرتع في غير ما وجل..
سواء أكان هذا المجرم أسرة..او شارع..او مدرسة..او جامعة..او مجتمع بأكمله.   
وهكذا تمضي انت بلا ثمن..ويمضي بعدك عشرات الالوف دون ان يمتلك احدهم الشجاعة الكافية لينظر الي ما فعلتموه علي اعتباره رد فعل لواقع محبط ومجتمع لا يختلف في شيء عن مجتمع الغابة..ببشاعته..وقسوته..وواقعه المؤلم الذي لا يرحم.
وأنا هنا لا اتحدث عمن ولدوا خاسرين بطبعهم -وان كان هذا لا ينفي ذويهم من المسؤلية علي اعتبار أن كل مولود يولد علي الفطره- 
وانما اتحدث عمن حدث تحول (دراماتيكي) في حياتهم ليحيلها إلي النقيض.
ان الشاب الصالح المهذب المحترم الذي يتحول بين عشيّة وضحاها الي شخص آخر لا يتورع عن الكذب والتدخين، او البذاءة والانحطاط السلوكي و (طرقعة أصابعه) ثم البصق فوق أرضية الشارع،لم يفعل ذلك من باب التجربه..!
وانما لان عاملا اقوي منه الف مرة قد جذبه جذبا الي طريق الهروب..
  ومن ثم، فتحوّل كهذا كان ينبغي ان تقف امامه الاسرة والمجتمع ككل 
وقفة تليق به..
ولا يكتفوا بمجرد الامتعاض و(مصمصمة الشفاه) وهم يتحدثون عن ميوعة شباب هذه الايام...
ان شباب هذه الايام هم -ببساطة- أتعس المخلوقات طرّا علي ظهر البسيطه!.
انهم ضحايا لكل من هبّ ودبّ..
ضحايا الإهمال..والظروف..والاقدار..والاحلام..والاسره..والمجتمع..والحكومه..
والمثقفين..والاعلام..والصحافه..والانترنت..والعولمه.
ضحايا نظام الحياة الفاشل، والتفاوت الطبقي المرعب، ووسائل النقل الغير آداميه..
ونظام الصحه لعلاجية الذي يضع علي رأس أولوياته قتل المريض لا علاجه.
ضحايا القمع في شتي صوره..
قمع في البيت..وفي المدرسه..وفي الجامعه..وفي أقسام الشرطة والمعتقلات،
وفي الحياة العامة بشكل عام..
لا تناقش والدك..لا تناقش معلم الابتدائي..
لا تناقش دكتور الجامعه..لا تناقش طبيب المستشفي..
لا تناقش ضابط المرور..لا تناقش رئيسك في العمل..الخ.
وهم كذلك ضحايا نظام التعليم الفاشل..
احفظ في صمت..اياك ان تعترض..او تتكاسل..
ادفع دم قلبك كي تحصل علي فرصة تعليم شبه آدميه..
ولتقض من عمرك ستة عشر عاما بين جدران المدارس والجامعات
لتخرج منهما في النهاية لا تعرف شيئا عن اي شيء.
ثم انضم -في صمت- الي طابور العاطلين الذي يمتد بطول الوطن وعرضه..
ولو كان فيك بقية من أمل، ولم ينجح نظام التجهيل (التعليم) القمعي في كسر جموحك بعد، وقررت السفر الي الخارج لتعود وفي يديك شنطه (هاندباج) مليئة بالدولارات الخضراء اللامعه، وفي اليد الاخري مفتاح السيارة (الهمر)..
فستجد ان الخارج بالنسبة لك (كواحد من اهل الداخل) لن يختلف كثيرا عما رأيته هنا -سيما ان كنت مازلت في مرحلة الشباب-
وهناك ستنال قسطا وافرا من الاهانة، ومن إشعار صاحب العمل لك انك اضيحت ملكة خاصة له..
بحيث أصبح من ابسط حقوقه ان يخلع ما ينتعله ليرميك به،
فتتناول انت (مركوبه) الكريم، وتعيده اليه صاغرا، وانت تفكّر في شهادتك الجامعية العالية التي أهلتك -لحسن حظك- كي تُضرب من شخص حاصل علي الابتدائيه كحد اقصي، لكنه يمتلك كرشا ممتليء بالمال حتما كهذا (العُتُل) الذي لا يعرف الفرق  بين مفتاح الصبر، ومفتاح 14.
واما إن تكسّرت آمالك باكرا، وقررت أن تشرّف البلد برؤية (سحْنتك البهيّة) صباح مساء، ومنّت عليك حكومتنا الرشيدة ورأت -بعد ان تدفع مالا يقل عن عشرين الف جنيه رشوة كحد أدني- ان تتكرم بتوفير وظيفة لك..
فستجد نفسك بعد عام كامل من الروتين والكثير من الاوراق التي تحتاج الي توقيعات وضماناتوإمضاءات وأختام، وبعد ان تشتري كل ما في (البوستة) من طوابع شرطة ،واسره ،وصحه، وتنميه اداريه ،وتنميه زراعيه..الخ.
تجدهم وقد أودعوك احد مكاتب الارشيف في أي سجل مدني تحت اي بئر سلم في اي شارع لم يطلع عليه نهار..!
لتتقاضي في نهاية الامر ما قيمته (مائة وسبعة وثلاثون جنيها مصريا، وثمانية وسبعين قرشا لا غير)
فتفكر ان تتزوج بهم..!، ثم تقرر ان تشتري بهم شقة اولا..!،
ثم تعدل عن ذلك وتنوي ان تفتح بهم مشروعا خاصا، لتفاجأ في النهاية ان سعر كيلوا اللحمة في بلدك يكفيك بالكاد ان تأكلها مرة واحدة في الشهر بهذا المرتب البخس..
وتبقي طوال الشهر تأكل عيشا مغموسا بالجوع والعطش.
ولكنك تضغط علي نفسك وتبدأ في الاعداد لتحويشة العمر -من باب مالا يدرك كله- ولا مانع ان يساعدك (الحاج) بما تيسر -لكن هذه المرة من باب رفع روحك المعدنيه-.
وذات مساء مشمس تقرر في برد (الهزيع) اللاّزع ان تتزوج..!
فتذهب الي أهلك وتفاتحهم في رغبتك من الزواج من فلانه.
فتجد الاجابة الذي يحفظها كل أب وأم علي ظهر البسيطة منذ بدء الخليقه:
اتجوز أي حد في الدنيا تختاره يا ابني الا فلانه..!
تقولها امك..
ثم (يزغر) لك والدك في سخط مهددا بقطع المعونة الاقتصادية عنك.
ولأن من يملك يحكم،ولانك لا تحتكم علي شيء في الحياة سوي هذه (الملاليم) التي تعطيك اياها الحكومة، تقرر أن تدخل في دوامة من الحزن والاسي لتحطم حلمك الاخير الذي عشت من اجله.
ولا ادري حقا ان كنت ستخرج من هذه الازمة ام لا.
لكن لنفترض انك قد خرجت منها بعد عام او اثنين.
 يتكرر نفس المشهد من جديد..
نفس ذات المساء المشرق المشفوع ببرد الهزيع اللاذع..
(أنا عايز اتجوز يا جماعه)
لكنك تغدوا اكثر ذكاءا هذه المرة اذ تضيف: وانتوا بئا اختاروا لي العروسه.
تزغرد امك من باب ان خير (الزغاريد) ما كانت عاجله،
ويقرر والدك ان يصطحبك غدا الي فلان من معارفه لتخطب ابنته (زينة البنات).
-زينة البنات...؟
تقولها لنفسك في جمود..ثم تردد في سرك (زي بعضه أهي كويسه).
-احنا يا ابني بنشتري راجل..هكذا يؤكد لك والدها الف مرة في الدقيقة الواحده،
لكن حينما يدخل الموضوع في الجد تتأكد انه يشتري عبدا حبشيا من سوق عكاظ، وليس رجلا كما يدعي كذبا وبهتانا.
وبعد ان يقصم ظهرك بطلبات (زينة البنات) لا ينس ان يؤكد لك أخري -علي سبيل التذكره- أنه يشتري رجل، وان الماديات هي آخر ما يهتم به.!
تفشل الزواجة الف مره..ويقع الاختلاف مليون مره..وتنفصل انت و (ست البنات) مليار الف مره.
وتمسك في خناق (حماك)، وتتعارك  امك مع (حماتك) 
ويقذف والدك (كباية الشاي الماسخه) في وجه خطيبتك..
وتبصق خطيبتك في وجهك.
ولكن بالرغم من ذلك كله -وهذا من عجائب الانسان المصري حقا- تكمل الزواجة بقدرة قادر..!
          لتبدأ فصلا آخر من التعاسة الابديه..ولتنجب أبناء لا يقلون عنك تعاسة وشقاءا..
يكرر احدهم نفس قصة حياتك المأساويه..
بينما يموت الاخر من الحسرة، إذ يري ابناء الاغنياء والطبقة الحاكمة (الارستقراطية) يستأثرون بكل شيء، في حين يبقي هو وأمثاله (من طبقة البرجوازيين) محرومين من ادني حقوق الحياة البشريه.
ويهاجر ابنك الثالث الي ليبيا علي اعتبار كونها (اي بلد غير المخروبة اللي احنا عايشين فيها دي...!)
 وتنتهي ابنتك (ست البنات) من دراسة المرحلة الاعداديه، فتقرر تزويجها من زوج لا يقل تعاسة عنك، لكنك تتسلي حقا (بقصم) ظهره بطلباتك..
ثم لا تنسي -استرجاعا للذكريات- أن تنبهه الي نقطة : أنك تشتري رجل وأن الماديات آخر ما يمكن أن يشغل بالك.!
أما  ابنك الأخير -طالب الثانويه الملييء بالآمال والاحلام- فيجلس ليقرأ هذه الكلمات وهو يضحك من سذاجة الكاتب، ويرتشف الشاي (بالنعناع) وهو يفكر في حبيبته ذات الضفائر المنسدله والعيون الخضر المشعّه التي سيتجوزها -حتما ولابد- بعد ان يدخل الكلية التي يريدها ويصبح رجلا غنيا ذا شأن في المجتمع.
كل طلبة الثانوية العامة يحلمن بذات الاشياء ولست ادري السبب حقا..!
الي أن يأتي ذلك اليوم الذي يصاب فيه ابنك هذ بــ(الاكتئاب) والذي يتطور معه الي (فصام حاد)، وتبدأ تغزوه الامراض النفسيه متخذة اياه كوطن يافع لها.
وهو من جانبه يحاول ان يقاوم تلك العواصف النفسية في ضيق.
ثم يقرر ان كل هذا سخف وأن أفضل حل للخلوص من آلامه هي الهروب..
وحينئذ لا يكون أمامه سوي طريقين..
يتوقف سلوكه لأيهما علي مدي شجاعته..
وهذا أمر ستفهمه أكثر لو أعدت قراءة المقال من أوله.
   و..
للحديث بقيه
                    - - -                      نورالدين
          
     

هناك 13 تعليقًا:

  1. حقيقة ساخرةٌ لا يريدُ أن يراها أحد

    بانتظار البقية, وسلمت يمينك أيها الأديب المسلم

    فقط أذكر القارئ أن يضع نصب عينيهبما تفضلت به أنت بأعلاه "وأنا هنا لا اتحدث عمن ولدوا خاسرين بطبعهم -وان كان هذا لا ينفي ذويهم من المسؤلية علي اعتبار أن كل مولود يولد علي الفطره-
    وانما اتحدث عمن حدث تحول (دراماتيكي) في حياتهم ليحيلها إلي النقيض.
    ان الشاب الصالح المهذب المحترم الذي يتحول بين عشيّة وضحاها الي شخص آخر لا يتورع عن الكذب والتدخين، او البذاءة والانحطاط السلوكي و (طرقعة أصابعه) ثم البصق فوق أرضية الشارع،لم يفعل ذلك من باب التجربه..!"ـ


    ردحذف
    الردود
    1. سلمكم الله فضيلة الأديب الشاعر/ حسام الدين
      وشاكر لسيادتك رأيكم لكريم فيما كتبت..
      ويسعدني أن وجهة نظري قد وصلت سيادتك كما أردت لها أن تصل.

      حذف
  2. اللوحة التي رسمتها تعكس بدقة إجرام الذين أضاعوا شعوبهم وأذاقوهم مرارة الذل والتعاسة , لوحة تدمي القلب ومن ثم تنادي من بقي من العقلاء أن جردوا سيوف التغيير من أغمادها واستعينوا بالجبار القهار , واقطعوا أيدي اللصوص وواروهم من الوجود , رأفة بأبناء أمتكم فهم أمانة في أعناقكم كفى ماسرقوه من سعادتهم من كرامتهم طيلة عقود , أعيدوا إليهم زمنا ...... أشرقت فيه شريعة الله..... حيث رفرفت فيه السعاده على القلوب وأزهرت الطمأنينة في النفوس وتمتع الجميع بحياة إنسانية راقية, لاتعتذروا ولاتبرروا تقاعسكم فإن الله سائلكم عن غياب القيم وعن غياب الهناء وعن معاناة قد لاتكون ياأيها الأديب لملمت كل جوانبها في لوحتك الصادقة وكلماتك الساخرة بوركت وبورك قلمك بماسطّر وآمل أن تصل رسالتك للبقية من العقلاء ....... ومع الألم المفتت للأكباد يأبى الأمل إلا أن يشرق وبقوة ليقول : الخلافة قادمة بحول الله

    ردحذف
    الردود
    1. جزاكم الله خيرا علي تكرمكم بالتعليق يا سيادة الدكتوره..
      فهذا أمر يشرفني بما لا يقاس..

      حذف
    2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لست أدري لماذا يطاردونني كلما أنشأت حساباعطلوه أرجو أن تتم مراسلتي عن طريق غوغل وشكر الله لك

      حذف

  3. مقال عبقري جدا جدا جدا..
    تسلم ايدك والله...

    ردحذف
  4. رائع جدا وفى انتظار الباقية ..

    ردحذف
  5. تحفه بجد..
    أنا متنبئة لك أنك ستغدوا في يوم ما من الأيام كاتبا شهيرا وأديبا عبقريا ،
    وأنت تعلم أن تنبئآتي لا تخيب أبدا.فقط قليل من الثقة في نفسك الان كما كنت في الماضي.
    سأكون أكبر حينها بعشرين عاما علي الأكثر، وكذلك انت.
    لكن أرجوا الا تكون قد نسيت نبؤتي وقتها.
    *h*.

    ردحذف
    الردود

    1. أتذكر نبؤتك لي اني في يوم من الأيام سأفرح لدرجة اني سأتذكرك وأسعي للبحث عنك كي اطمئن عليك.
      أفكر انها نبؤة لم تتحقق بعد...، ليس السؤال عليك يا صديقة -فأنت دائما ببالي-، بل الفرح..ا ل ف ر ح.

      حذف
    2. مسرورة أنك تذكرتني ولم تنسني بعد...
      وبخصوص الفرح فقريبا جدا ستفرح .. س ت ف ر ح.

      حذف
    3. قليلات هنّ من يجدن قواعد اللغة، فيجزمن الفعل المضارع (تنسني) بعد أداة الجزم (لم)،
      قليلات لدرجة أنهن لا يمكن أن يُنسين حقا بهذه السهوله.
      ______
      وبخصوص السعادة والفرح..فلنأمل لذلك.

      حذف
    4. فقط توقف عن التشاؤم لخمس دقائق..خمس دقائق فقط،
      وحينها انظر كم سيغدوا الكون أجمل.

      حذف
  6. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..