الخميس، 29 يناير، 2015

تداعيات ذاكرة..


لماذا خلق الله الحنين...؟
وما هي القاعدة التي تحكم عمل الذاكره..؟
وكيف يمكن لأصغر الأشياء ان تثير فينا وجع مجرة بأكملها..
رشة عطر..نسمة هواء..
همسة فم..لمسة يد..
تفاصيل لا اصغر منها ..عنها تتولد اكبر الاشياء.
انه لأمر مثير للعجب حقا ان وردة وحيدة في ركن حديقة يمكن ان تجرح
 فرحة يوم كامل..!
أحرف هجائية بسيطة -نسمعها مصادفة- باستطاعتها تحويلنا 180 درجة من أقصي المرح الي أقصي غابات الشرود..!
إن الحنين هو الضعف الذي نفر منه علي قدر استطاعتنا..نحفر الخنادق ما بيننا وبينه..نتحصن منه في أعمق قلاع الانشغال والاندماج مع الاخرين..
نظن أننا أحكمنا الحصار حول قلوبنا وذاكراتنا..وفصلنا مؤشرات الاحساس لدينا عن ملامسة العالم الخارجي..ثم اذا بذلك كله يتهاوي أمام تذكار بسيط..
او مشهد خارجي بسيط.
لقد اكتشفت مؤخرا أن الحنين قدر لا مهرب منه ولا فكاك..كيف يمضي هارب من دمه علي حد تعبير ابراهيم ناجي صاحب الاطلال..
الحل اذن ليس في احتراف الفرار -مادمنا مجرد تلاميذ صغار في حضرة الذاكرة لا نستطيع ان نحكم ذماما او نسد منفذا- وإلا أضعنا عمرنا كله في محاولات الفرار التي تستنفذ العمر دون أن نجني منها ثمرة تذكر..
ربما التعايش واقتسام الايام مع أوجاعنا -التي لا يدري عنها الناس- هو كل ما بأيدينا لنفعله..!
و ثمة فكرة مترسخة في اذهان أكثرنا مفادها أن الحنين لا يليق سوي بالشباب المائع الذي يقتات التوافه ويتنفس صغائر الامور..!
الامر الذي شكل في عقلنا الجمعي تناقضا رهيبا بين ما في اعماقنا وما نبديه علي صفحات وجوهنا..
لهذا لا يحقق احدنا الكثير في هذه الحياة..أتدرون لماذا..؟
لاننا جميعا وبلا استثناء جبناء..أجبن من ان نواجه انفسنا..أو ننتصر علي ما بدواخلنا..
ومادمنا نعجز عن الانتصار في اكثر قضية شخصية تمسنا في الوجود فلنحن عن الانتصار في غيرها أعجز.
ان ثمة طريق واحد كي ننجو من مخالب الحنين وانيابه: هو إيقاف عمل القلب..
أن نحول ذلك العضو الصغير الي آله ضخ للدم وحسب..
واني لأنظر لطريق كهذا -علي ما فيه من راحة- انه موت علي قيد الحياة!.
لقد اختبرت في حياتي أنفُسا كثيرة..وسايرت أموري مع ارواحٍ متعددة..لكني لم استطع للحظة أُن أُخفي بالغ اشمئزازي من اصحاب القلوب المتحجرة..
انني لم اعترف بهم كبشر من الاساس كي احاول ان اعقد صلحا ما بيني وبينهم.
وإني لأعلم جيدا ان الشأن ليس في الانسحاق امام وطأة الحنين الي حد نعجز عنه عن متابعة خط سيرنا في الحياة..
ان المنسحق أمام هذه الوطأة -وان كان اقرب في حسي للبشرية من صاحب القلب المتحجر- يفوته أن الرجولة الحقيقية هي رجولة المثابرة..والجلد..والمتابعة ولو علي جمر الغضي..
أن ننكر ضعفنا، أو أن ننحني أمامه.. كلاً منهما طريق في نهايته هاوية..!
ففي الاول نصادر بشريتنا ،وفي الثاني نصادر رجولتنا..
وان إنكار مثيرات الاحساس فينا لهو الذي أوجد هذه الكائنات المشوهة التي نصادفها عند كل ناصية وفي كل موقف من مواقف الحياة..
ذلك الذي يسخر من فكرة احتفاظك بـ (تذكرة مترو) قد مر عليها خمس سنوات، بينما يحتفظ هو بساعة يد قديمة لها عشر سنوات، لمجرد انه قد ينتفع بها يوما
 هو كائن مشوه.
من يعلق لاخته او ابنته او قريبته المشانق لمجرد ان قلبها قد مال لانسان ما ،بينما هو يمارس سرا او علنا دور (رميو) المتيم الولهان كائن مشوه هو الاخر.
من يحسب بعقله كل خطوة في الحياة ثم يرفض ان تجري انت الحسابات ذاتها  بمشاعرك وقلبك هو كائن مشوه أيضا..
كل اؤلئك مشوهون لانهم يصادرون فطرتنا..ويمنحون لانفسهم حقوقا يحرمون منها الاخرين..
اننا حين نعقد مع انفسنا سلاما روحيا نعترف بموجبه اننا ضعفاء..نحب..ونصادق..ولا نجد انفسنا سوي في عالم متناسق كل ما فيه جميل ورقيق وشاعري..انما ننجو بموجب هذا العقد من بركان النيران الذي يعصف بأعماقنا..نعتق رقابنا من ظاهرة الازدواجية التي تغلف أوجهنا جميعا..
 هذا السلام النفسي المقرّ لكل بنود بشريتنا هو أول طريقنا للعيش كبشر اسوياء..
وحينها لن نجد غضاضة في أن نكون رجالا اشداء يؤدون مهمتم علي أكمل وجه في هذه الحياة، بينما هم في الوقت ذاته  يحبون..ويشتاقون..ويفرحون..ويحزنون...
ويبكون أيضا..
يبكون لأن هذه الغدد الدمعية التي خلقها الله فينا من حقها ان تتنفس بين الحين والاخر..دون ان يعد ذلك عيبا نتواري به عن الناس.
حتي الحيوانات العجماء تبكي..فلماذا يعد ذلك اهانة وضعفا في حقنا حين نمارسه..؟
إن احتباس المشاعر والدموع وكتم ما يعاودنا من مشاعر ليس هو الذي يصنع الرجولة كما يتصورون،
أن ندير ظهرنا لوردة..او نحجب عن عيوننا مرآي جدول ماء يترقرق..أو نسد مسامعنا عن تغريد طير.. ليس بالأمر الذي يؤكد لمن حولنا شدتنا وبأسنا..
بل الموائمة بين السيف والوردة..بين النحت في الصخر ومرأي الجدول المترقرق..بين الصبر علي تكسر الرماح علي الرماح وتغريد الطير الرقيق لهو الفيصل في هذا الاثبات.
وإنه لأمر طيب أن نجد في أنفسنا مقدرة علي الحنين بعد كل هذا العمر.. وبرغم كل هذه الأحداث..
أمر موجع..لكنه طيب..
طيب كأولئك الذين نشتاقهم ونحن إليهم علي بعد المسافات.


محمود،
(مطلع فبراير)
2015


هناك 3 تعليقات:

  1. هناك أثر يبقى في الذاكرة كوقع حصاة صغيرة في بركة ماء يدور موجها ملتفا بها.. يروح بنا للحظات.. تقلق سكون النفس.. ولكنها لحظات ! وآخر يسري بنا كالروح الباردة الندية تحمل نفسك وتنتزعها من أخمص قدمك وتلقي بها في حنين عقلك ويثور بها فؤادك دون أدنى استئذان..! فكيف نصفح عن صاحب ذاك الأثر وهو كلما شاء فرى شوقه في القلب فري السكين في ذبح جديد !

    نيل عزت
    (دموع العرائش)

    ردحذف
  2. وإنه لأمر طيب أن نجد في أنفسنا مقدرة علي الحنين بعد كل هذا العمر.. وبرغم كل هذه الأحداث..
    أمر موجع..لكنه طيب..
    طيب كأولئك الذين نشتاقهم ونحن إليهم علي بعد المسافات.

    ردحذف
  3. وإنه لأمر طيب أن نجد في أنفسنا مقدرة علي الحنين بعد كل هذا العمر.. وبرغم كل هذه الأحداث..
    أمر موجع..لكنه طيب..
    طيب كأولئك الذين نشتاقهم ونحن إليهم علي بعد المسافات.

    ردحذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..