السبت، 15 فبراير، 2014

شرف الكلمة النازف.! /مقال.


لا أحد يعلم يقينا متي يكتب..
انك لا تحضر اقلامك ثم تبرق عيناك في شراسة طالبا من الحضور أن يصمتوا لأنك ستكتب الآن..

هذا مستحيل.. لأن الكتابة أمر غيبي تماما..
طوال تجاربي الماضية كنت أبدأ الخطوة الاولي دون أن أعلم الي أين سينتهي المسير..
بل احيانا كنت اكتب صفحة كاملة غير عالم تحت اي تصنيف سأضع هذا المولود النثري الجديد..خاطره..مقاله..قصة قصيرة..الخ..؟
ان الكاتب علي صفحات الورق تائه تماما..بلا بوصلة أو جهاز تحديد مواقع..
وهذا ربما أكثر ما يجعل للكتابة أهمية..وقيمة..
ويجعل منها تجربة ثرية ومثيرة ومدهشة للكاتب نفسه قبل أي أحد.
وإن الكاتب -أي كاتب- يتعمل مع الافكار كتعاملك مع زملاء الدراسة في أول يوم ذهبت فيه الي المدرسه..تري أمامك وجوها كثيرا مختلفة..متناقضة..متباينة..
فتدير وجهك فيهم غير عالم ايا منهم قد كتب لك القدر أن تصادقه..أو تعاديه..
قديما تحدثوا عن الوحي الشعري..عن الالهام النثري..وربما علي هذا الضوء وحده يمكن لنا ان نفهم شيئا عن ماهية الكتابة..وجوهرها.
انها عمل ميتافيزيقي بامتياز..لا اتحدث هنا عن الكتابات التقليدية المملة..او الكتابات الاكاديمية المرسومة الخطوات..انما تحدث عن الكتابة التي تشبه الابحار في اعماق المحيط..وحيدا..بلا هدف ما..
عن الكتابة التي تشبه السير في أدغال افريقيا بلا دليل..ولا وجهة محددة..
وفي جميع الحالات ربما ينتظرك المجد كل المجد..أو ربما هو الموت ولا شيء غير.
يقول احد قدامي النقاد ان الشاعر/الاديب كان عند عرب الجاهلية بمنزلة النبي عند سائر الامم، وكانوا يحيطون هذا المنصب الفكري -ان صح التعبير- بشيء من القداسة وربما من الاسطورية التي تضفي علي صاحبها الكثير والكثير.
وكان العرب بشكل عام يفهمون جيدا حدود الابداع، ويحسنون التفرقة والتمييز بين ماهو جيد وما هو رديء..وكان العربي علي أتم الاستعداد أن ينافق في كل شيء -حتي الدين ووجود الله ذاته- لكنه لا يسمح لنفسه للحظة أن تبخس الابداع الفني قدره أو تحط من منزلته.
حينما سمع الوليد ابن المغيرة رسول الله يتلو بعض آيات من القرآن لم يتمالك نفسه أمام هذه المعجزة البيانية الخالدة..وانطلق لسانه يملأ الكون مديحا وثناءا.
كل هذا بينما هو كافر لا يتمني اكثر من أن تشرق شمس اليوم التالي ومحمدا علي غير قائمة الاحياء.
وحين سمع أحد أتباع مسيلمة هذا الكاذب يتلو بعضا من أكاذيبه وتلفيقاته الفنية أعلن في اشمئزاز أن بصاق الطير أفضل من هذا الكلام..
كل هذا وهو من أصفي أصفياء مسيلمة ومن أخلص أتباعه.
لكن هذه الامة تقدس حقا -بعد الله- لغتها، وكان العربي الذي لا يملك من الدنيا شيئا ناقدا وشاعرا وأديبا بالسليقة..
وكان يفترض أن تحافظ هذه الامة علي تراثها اللغوي والفني سليما من العبث علي مدار الاجيال، لكن الحرب الثقافية كانت هائلة، والاغارة علي الهوية والثقافة الحقة كانت قوية شديدة المراس..
ولقد استهدفت هذه الحرب أول ما استهدفت الذوق..لأن الذائقة هي المدخل الحقيقي لكل عمل فني، وكانت وسيلتهم لذلك هي الدفع بالمواهب الميتة كي تطفو علي السطح..علي أمل أن تفسد رائحة الجيف النتنة حاسة التذوق لدي الجمهور فيصبح أعمي..
فظهرت علي السطح -قديما- أشكالا فنية وتجارب شعرية ونثرية كان الاولي بها أن تستخدم كطلاسم لاستدعاء الجن أو محاولات إحياء الموتي، وكان مكانها الطبيعي ان توضع في المتاحف بجوار المومياوات باعتبارها لفائف أثرية وجدت بداخل تجاويفهم غير مفهومة الهدف والغاية.
وحين تنبه رواد الشرق في العصر الحديث الي أن الأمة التي أخرجت للدنيا امريء القيس والنابغة والاعشي والمتنبي وأبي تمام والبحتري لا يليق بها أن تنجرف في مهاوي التيه أكثر، وأنه قد آن الاوان أن تسترد شيئا من عز مجدها الغابر وفنها التليد، بدأت اولي المحاولات للسباحة ضد تيار الركود والجهل الفني والوضاعة الادبية التي سادت خلال فترات الحكم العثماني وما تلاها، بدأت علي يد الشيخ الساعاتي ثم البارودي فشوقي فحافظ فإسماعيل صبري...الخ..، وطالت القائمة لينضم اليها أفذاذا من كل قطر..علي اختلاف في أديناهم وأيدلوجياتهم وثقافاتهم..لكن كانت تجمعهم جميعا رابطة اللغة التي وحدت الافكار ونقلتها نقلة بعيدة.
ومثلما كان في القديم لم تعجب تلك النهضة الادبية واللغوية الكثيرين..فعادت الحرب الشرسة من جديد..من الخارج حينا ومن الداخل في أكثر الاحيان، لدرجة أن لطفي السيد -أستاذ الاجيال المزعوم- دعا الي استبدال الاحرف العربية بالاحرف اللاتينة توهما أنها الاقدر علي التعبير عما يختلج في جنبات النفس..وعلي الطريق ذاته تبعه الكثيرين..وعلي رأسهم طه حسين -في فترة ما- وموسي صبري، ولويس عوض وآخرين.
لكن حركة الابداع لم تتوقف طويلا عند هؤلاء..بل زادت من سرعة سباحتها ضد التيار، قاطعة مسافات شاسعة أرست من خلالها العديد من مباديء الفن، وعملت علي نقل الذائقة نقلة بعيدة في سماء الجمال.
وحين أدرك العابثون أن محاولات حرب هذه اللغة من خلال الدعوة الي محاربة اللغة نفسها لن تجدي نفعا، عادوا لذات المحاولات القديمة..محاولة اعلاء الجيف كي تنمو علي السطح..وتتنتشر..وتتكاثر..آملين في تكون رأي شعبي يساند هذه الجيف ويعطرها بما يسمح لها بالسيادة..والبقاء رغما عن كل قوانين الحياة..
فامتلأت الساحة بأشكال عديدة بحاجة الي درزينة من العلماء كي يقوموا بتصنيفها التصنيف الذي يكشف عنها ويضعها في مقامها الصحيح بين مراتب الأحياء..
أو الموتي..
وإن ما نعايشه الان من ظواهر التردي الفني -علي جميع المستويات- لهي خير دليل علي هذا.

ولقد غالبت اشمئزازي بصعوبة وأنا أقرأ اليوم مجموعة مقالات نشرت مصنفة علي أنها الافضل في مصر لعام 2013 لكاتبة ما..
انني ناقد هذه وظيفتي وهذا عملي، وبعيدا عن تجربة ممارستي للكتابة من عدمها فيفترض -طبقا لشهادتي- أنني (شبه مؤهل) للحكم علي أي عمل.
وكان ما قرأته مريعا...مريعا الي حد أني جريت مسرعا الي حساب هذه الكاتبة علي الفيس بوك لأجدها قد قامت بنشر أراء عدد من النقاد فيما كتبت..وهالني مرة أخري ما قرأت..فمن قائل إن كتاباتها تعتبر فتحا جديدا في عالم الادب -ولست أدري كيف-،
ومن مدع أنها خليفة بنت الشاطيء بلا مزاحم -لا أصدق أصلا أنه قد قرأ لبنت الشاطيء حرفا-،
ثم جاء الثالث ليكتب كلاما علي طريقة الحداثيين من النوع الذي لا يفهم ابدا مثل: ان هذه الكلمات المنبثقة من عتمة اللامعقول، والتي ظلت دهورا متغابرة متسربلة بمداد الوهم متلفعة بـ اللامجهول...الخ هذا الهراء الذي تعرفونه جميعا.
حسنا كل هذا جميل..لكنه كاذب تماما.

وطبعا لم أتملك نفسي للتعليق فكتبت شهادتي الحاصل عليها ووظيفتي ثم تركت كلمة لنزار يقول فيها: (إن لم تستطع أن تكون مدهشا فإياك أن تتحرش بورق الكتابة)،
وكتبت تحتها أن اغتصاب الكلمات ليس بأقل جريمة من فعل المثل مع الأحياء.
ثم بعدها بقليل وصلني إشعار أن صاحب الحساب قد رد فلم ألق للأمر بالا..ولم أهتم للحظة أن أقرأ الرد..لأني أتخيله بالطبع.
وظاهرة الفيس بوك بحاجة الي بعض التأمل حقا، فهو الآخر كان ساحة ومرتعا لظاهرة التعدي علي الكلمات بمنتهي الوحشية والفجاجة، هذا الفضاء اللا متناهي حيث لا ضابط لأحد علي أحد، سهّل من وقوع أمثال هذه الجرائم..
وكلما رأيت منشورا علي الفيس بوك تناشدت بيت حافظ ابراهيم الذي يقول فيها متحدثا علي لسان لغة العرب ناعية نفسها:

(أري كل يوم بالجرائد مزلقا .. من القبر يدنيني بغير أناة).
حسنا ما الذي تعلمته من ذلك كله..
أولا: تعلمت أن أستعمل ذائقتي في القراءة وضميري في الحكم.

وأن أفرق بين مبتديء يحتاج الي القليل من المجاملة والتشجيع كي يضع قدميه علي اول الطريق، وبين متبجح يفاخر بغبائه بحاجة الي إيقافه عند حده.
ثانيا: ألا أفكر مطلقا في نشر أي حرف كتبته قبل أن أضمن حقا أنني أستحق سماع صوت أزيز المطابع وهي تتعب لأجلي.
ثالثا: أن أتوقف لمدة ثلاثة أشهر عن قراءة الكتب التي تصدر بتقريظ خمسة عشر ناقدا أحفظ أسمائهم في ذهني..لأنهم علي الارجح كاذبون..ونصّابون.
رابعا ، وخامسا ، وسادسا ، وسابعا..وثامنا..وتاسعا :أن أفكر جديا في التوقف عن الكتابة.. فلربما أنا أحد الجناة علي الفن واللغة بدون أن أدري..
وإن أشرّ ما يجنيه أحدنا هو أن يري القشة في عين أخيه ويتعامي عن رؤية الجذع في عينه.
فهذه اللغة بحاجة الي بعض الفداء والتضحية منا كي يُنقي جوها من ظاهرة الاحتباس الفني والجمالي الذي تعانيه..
ولربما نحن السبب..ومن يجب عليه أن يتخذ الخطوة الأولي في هذا الطريق..
لربما..من يدري..؟!



محمود15/2/2014


هناك 5 تعليقات:

  1. المقدمه خرافه.
    وبالنسبه لموضوع المقال الرئيسي فمعاك حق والله.

    ردحذف
    الردود
    1. كلك ذوق يا باشمهندس..جزاكم الله خيرا.

      حذف
  2. قطعا..ﻷجل كتاباتك و إبداعك..أنت تستحق سماع أزيز المطابع تتعب ﻷجلك..
    ليلى..

    ردحذف
    الردود
    1. شهادة قيمة غالية جدا بالنسبة اليّ،
      ويزيد من قيمتها وغلائها أنها صادرة من أديبة عظيمة كسيادتك..
      فشكرا جزيلا لك.

      حذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله ,,, حقيقة حين أقرأ موضوعاتك أشعر وكأني أسمع نبض قلبك وتدفق المعالي في شلال روحك الوثابة ونفسك المرهفة و ترسم دربا للعلياء في عالم كثر فيه الانحدار ....... بوركت أي بني ودمتم متفيئا ظلال دوحة الصدق والإبداع ,ورهافة الحس ورونق الكتابة في معالجة تجمع بين الواقعية والإمتاع رعاك الله وجعل ماتشرق به كتاباتك في موازين حسناتك . أسعدك ربي يابني

    ردحذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..