السبت، 4 يناير، 2014

الي صديق غاضب..


أنا لست بالشخص المهم علي الإطلاق..
أعرف هذا وأستمتع به أيما استمتاع.
لقد شبعت من الشهرة والأضواء، ولقد نلت منهما -علي صغر سني- ما يرضي غروري ولست أطمع في المزيد.
وأعرف كذلك أيضا أنني قد تجاوزت تلك المرحلة التي يظهر فيها علي صفحة 
وجهي ما هو مخبوء هنالك في أعمق الأعماق.
فقديما كانت وجوهنا -وقلوبنا- مرآة بالغة النضارة والنقاء، ثم رويدا رويدا بدأ سطح المرآة هذه تتوالي عليه الخدوش وتتسابق، حتي استحال في النهاية
معتما من الصعوبة بمكان اكتشاف ما يدور تحته.
إن ظهور ما بداخلنا علي قسمات وجوهنا يحتاج الي قدر عظيم من الترف
والبراءة والطهر والنقاء الروحي الذين لم يعودوا متاحين لي مع الاسف.
ولهذا ربما كان ما بداخلي يرتجف بردا..وقلقا..وتوترا..وانفعالا..
بينما لا تعبر ملامحي الخارجية عن شيء من ذلك كله.
ربما كنت في أعمق أعماقي فرحا مسرورا تتواثب كل خلاياي الداخلية فرحا
وتتقافز نشوي، بينما لا يُنبيء وصفي الخارجي عن شيء 
-باستثناء لمعة تشتعل زهرتها في عينيّ لثوان لا يتبينها الا لصقاء الروح..والقلب-.
كل ذلك لا ينفي تأثري..وربما احتراقي من الوريد للوريد بما يدور حولي..غير أن أثر ذلك كله يبقي مخبوءا عميقا هناك في محيط خلاياي ولا يظهر أثر منه علي سطح الموج.
عاصرت تغيري هذا من فترة ورضيتُ به إذ وجدته يوفر عليّ الكثير، 
ويكسبني -ربما- شيئا من الأهمية والغموض، إضافة إلي كونه -وهذا هو المهم-
يعفيني من انسكاب مشاعري علي الملأ،ويُبقي ورقة توت أخيرة تستر عواطفي
وأحاسيسي عن التعري والوضوح أمام كل أحد.
- هذه المقدمة -المملة نوعا، فكل حديث عن النفس ممل الي الغير- كتبتها لذلك الصديق 
الغاضب -العزيز جدا علي قلبي جدا- والذي قامر بارسال رسالة طويلة يعاتبني 
فيها ويتعجب من تغيري وانصرافي الفترة الماضية عن الحديث فيما يخص الشأن العام، وفيما تدور رحاه علي ظهر الحياة، وعن تحول معظم ما ينشر لي في الفترة الأخيرة إلي حديث عن الحب..والحياة.
وهو لا يري لذلك كله تبريرا إلا انصرافي عن نفسي الماضية..وبعدا عن
معتقداتي السابقة.
(أنت تغيرت)..يقولها في خطابه بكل حسم.
وهذا الصديق العزيز -علي ما يمتلك من نباهة وذكاء- فاته أن الروح تهرمُ
كما الجسد،وأنها تمر بالأطوار ذاتها التي تمر بها أي زهرة تستنبتها مروج
غرناطة الناضرة، ففي طورها الاول -طور الترعرع والنمو- تبدأ الزهرة في 
التعرف علي كل ما يحيط بها من مفردات وما تشتمل عليه هي من مكونات..
وتبدأ في عقد الصداقات مع الفراشات وأسراب النحل والعصافير الملونة
وقطرات الندي والمطر وحتي حبوب اللقاح.
وفي طورها الثاني -طور الفتوة العاطرة- لا تكف الزهرة عن (جرّ شكل)
كل ما يحيط بها، وتبدأ صراعات شتي لا تنتهي بينها وبين العواصف والرعود
التي تقلق منامها، وهمجية الأيدي التي تبغي اسقاطها عن عرش الجمال.
وبعد ذلك تدخل الزهرة طورها الثالث من الحياة..حيث رأت كل شيء،
وسمعت كل شيء، وعاصرت أيضا كل شيء.
سمعت ثناءا لا يعد ولا يحصي عن جمالها وعذوبة عطرها، صادقات كائنات
لا أول لها ولا آخر، وخاضت حروبا وصراعات لا تعد ولا تحصي..
هي الآن زهرة حبلي بالحياة ذاتها..بكل تنوعها وتناقضها وثراءها..
فلم يعد يثير دهشتها شيء.
بقاءها حتي ميلاد الربيع القادم، او احتضارها الآن مع هذا الشتاء الذي
 يلفظ أنفاسه الأخيرة لم يعودا يعنيان في حسِّها الكثير.
وأنا يا صديقي -إن سمح لي الوصف- زهرة في طورها الأخير..
ممثلٌ قضي نصف عمره علي المسرح يغني للجمهور..ويطربهم..ويخلب لبهم..
ثم نزل الدرج القصير وجلس هناك في آخر مقاعد المتفرجين -يغطي الظلام نصف وجهه- يحدّ النظر ليشاهد من أتوا بعده..
يراهم يمثلون بذات الأسلوب..يغنون بنفس الطريقة، ويوقّعون علي الألحان ذاتها..
ويؤدون نفس الحركات التي لطالما برع في تأديتها..
لهذا ينبهر جميع من في المسرح..تتعالي الصافرات الحماسية من كل مكان..تلتهب الأيدي بالتصفيق الحاد..
أما هو فتمثال شمعي جالس علي مقعد من ملل..من رتابة يخالطها بعض الفتور والإشمئزاز.!
إنه -وحيدا في مقعده- ينتقد..ويحلل..ويفكر..ويقيس..ويُعجب..ويسخط..ويحب..
ويكره..، لكن ذلك كله في عالمه الداخلي المواز للعالم الخارجي الصاخب.
وكل هذا الثراء الداخلي يقابله -في الخارج- ربما تعبيرا بسيطا 
قد لا يثير اهتمام أحد أو انتباهه، لكنه -بما يحمله من رمزية-
قد يعني الكثير والكثير.
- أسمعك تتسائل: هذا الثراء الداخلي، وذلك العالم الرحب الواسع المتباعد 
بين جانبيك -علي فرض وجوده- لمن يُخبيء..؟
لماذا لا يري النور، ويستنشق معنا روائحه كل صباح..؟
ودعني أصارحك يا صديقي فأقول: إن من أحرقت الكتابة شمعة عمره..
من جرب لسعاتها..ولوّث رمادها يديه وملابسه..
من فنَي فيها وذابت هي فيه..ليس يري في الدنيا أغلي منها ولا أثمن.
إن الكتابة كالحب الأول..تجربة غرقنا فيها حتي النخاع ولم نستطع الفرار يوما،
كل منهما أخذ منّا مشاعرنا الأولي..ونشوتنا الأولي..وفرحنا الأول..
..وأورثنا -في المقابل- وجعا مراً لا تخبو مشاعله يطاردنا في كل آن.
لهذا يضنّ أحدنا أحيانا بما يكتب -حتي ولو لم يكن كاتبا اسطوريا-
لعلمه أن هذا الكلام سوف تسفّه الريح، ولن يجد له وطنا خصبا يحتضن
نبتته الأولي ويهبه من فيه قُبلة الحياة.
نضنّ بما نكتب بنفس منطق ذلك الشاعر القديم -ذي الفرائد الجيائد-
الذي لم يجد يوما من يستمع إليه ويقدر ما يكتب، والذي أحاطته 
الصحراء من كل جانب -ككابوس لا يتغير- وكلما جال ببصره
فيما حوله راعته اجتماعات الحجارة الصماء،وموائد الكثبان الرملية
تستضيف الريح، وقطعان الأغنام ورعاتها تبدوا هنا وهناك..
ولا شيء بعدُ.
ولابد أنه أطال النظر في واقعه،ثم تنهد في حسرة قائلا:

( أَأَنثُرُ دُرّاً بَينَ سارِحَةِ النعَم ..  وأَنظمُ مَنثوراً لِراعِيَةِ الغَنَم! )

نضنّ بما نكتب بنفس منطق عليّ -رضي الله عنه- حينما سأله أحدهم 
عن رأيه في مسألة ما، فرفض الإجابة قائلا:
(لا رأي لمن لا يطاع)ونحن يا صديقي ليس لنا من مطيع..فلا جدوي إذن أن نكتب في موارد الصراع،
وثق أنه لن يغير رأينا شيئا..
فنحن سقط المتاع الذي رفضت الكتابة أن تحمله معها في رحلتها الأزلية،
والذي رفض الحب أن يبقينا بداخل أسواره السحرية طويلا،
ولم تهتم الآذان بالاستماع الي أغانيه الحزينة مدة أطول.
نحن المولودون من رحم الشقاء..الغرباء الأبديون الذين كتب عليهم
أن يقطعوا السفر الطويل وليس في أيديهم سوي قلم نازف الحبر
مغبر الشفاه.
لهذا فلا تطالبني بالكتابة عما يدور يا صديق..في هذا المناخ الموبوء
حيث الكل يفتي..والكل يهاجم..والكل يدلّ ببضاعته المزجاة.
لا تطالبني بشيء حيث تحولت الأظافر الي خناجر..
والحوارات العادية الي مهارشات ديوك،
وأي محاولة لتوضيح وجهة النظر هي تذكرة دخول بلا عودة الي حرب عالمية ثالثه.
إن ضحالة الفهم وسوء النية هي العملة الرائجة في هذا الزمان.
ولعلني لا أفشي سرا حين أقول لك إن دُرج مكتبي يحتوي علي 
ثلاثين عملا أدبيا ما بين مقالة وقصيدة وخاطرة وقصة قصير، إضافة 
إلي مسودات رواية طويلة..كلها لم تر النور بعد..
ولست أظنها -مع بالغ الأسف- ستراه..!
أتدري لماذا..؟
لأنها ستُفهم خطأ..وستُحمل ألف محمل كل منهم أسوأ نظرا من الآخر.
وحينها ستنهال القوارع فوق رأسي..وسأرمي بأبشع التهم وأحطّها.
وسيستنكر الجميع أن يصدر هذا مني..!
ولعلني أتحمل جزءا من ذلك كله حين وضعت نفسي -ومنذ البداية- داخل
خطوات محددة مسبقة، (تابو مقدس) لا يحقّ لي الخروج عنه، وكلما 
حاولت تعالي الصياح: أنت مجنون..هذا لا يليق بك.!
ولأخبرك -يا صديقي- إن أكثر ما يقتل المبدع فينا هو أن تحدّه بحدود..
أن تضعه بداخل قفص -حتي لو كان ذهبيا- وتطلب منه أن يغرّد 
ويملأ الدنيا نغمْ.
لهذا ابتدأت في فعل ما أخذته عليّ..وأخذت أنشر عن الحب..عن الأمل..
عن الحياة..وعن كل ما عزلته عني القوانين،
ونفتني عنه الأعراف والتقاليد.
إنني رجل -يا صديقي- ليس يصلح أن يكون غير نفسه..عصيّ علي
التشكل والصبّ في قوالب معدةّ، حريتي -كما يقول درويش- هي
أن أكون كما أريد، لا كما يريد لي الآخرون أن أكون.
- في خطابك - المتنمرالغاضب- ذكرت شيئا عن كوني (كنتُ) قدوة لك.
وأني -وإن كنت لا أري نفسي أصلح قدوة لأحد- لأرفض -وبكل إباء-
هذه القدوة أن كانت ستُكبلني، وأن كانت ستظهرني أمامك 
بوجه مستعار..بثياب المسرح التي أكرهها، والتي يتحتم عليّ
ارتدائها فقط لأنها تناسب الدور المراد.
ولست أظنك -بعد ذلك وقبله- ترتضي لنفسك قدوة لا تعيش بساطتها..
قدوة تمتهن التمثيل وتحترف التزوير والتقمص.
إنني (لبلابة) يا صديقي..لبلابة ترفض أن يحدد لها أحد مسارها..
دعني علي حريتي..أتسلق الحوائط..وأعتلي النوافذ..
وأمازح العصافير..وآخذ شجيرة الليمون القريبة في حضني
بلا خوف أو وجل.
وإني لأرفض رفضا صارما تلك الخيوط التي زرعتها في الجو
من أجلي كي أتسلق عليها..إنني أأباها..وأأبي أن تكون لي
بيتا أسكنه.
إن الحياة -أيها الصديق الغاضب- إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء..
هذا قدر الحياة..وقدري أنا أيضا.
ضع صورتي في ذاكرتك -كما تشاء- بداخل ذلك الإطار المذهب الجميل،
وتخيلني -كما تريد- شفافا وضّاءا لا أُخطيء أبدا،
وشاهدني -في حلمك كل ليلة- وردة أخيرة عاطرة في دوح مقفر..
فلست أنا ذلك كله..
لست ذلك الملاك الذي يرفّ بجناحيه الأبيضين علي ذهنك..
أنا بشريّ..ينطبق عليه كل ما ينطبق علي البشر..وله كل ما للبشر من محاسن ومساويء..
بشري يؤمن..ويشك..
يحب..ويكره..
يفرح..ويحزن..
يضحك..ويبكي..
يصيب حينا..ويخطيء في أحايين كثيرة..
لي أحلامي..وآمالي..وما أفتخر به،
ولي أيضا مواجعي الكبري التي لا تنتهي.

بشريّ..فلا تضع بشريتي في كفّة وحبنا وصداقتنا في الكفة الأخري،
ولا تضطرني للإختيار بينكما.
بشريّ..فاقبل هذا..أو فارفضهْ،
أما أنا فلا حيلة لي في رفضه.. فليس يهرب من قدره أحد..
غير أني -وقد نزلت في خيالك من قدس الأقداس الي أرض الأشباه والصور-
كل ما يمكن لي فعله هو أن أعدك أنني سأحاول جاهدا أن أكون
بشريا طيبا..
بشريا من النوع الذي ينبض بين ضلوعه شيئا اصطلحنا نحن البشر
يوما علي تسميته بـ(القلب)..
وكلي رجاء ألا أخذلك يوما.
فلتغـــــــفِرْ.

المحبّ لك دائما
محمود
4/10/2014






هناك 6 تعليقات:

  1. الله علي كمية السحر والسلاسه الموجوده في المقال.
    مع اول حرف من البداية مش قدرت اقف غير عند الكلمة الاخيره.
    بجد بجد تسلم الايادي.

    ردحذف
    الردود
    1. كلك ذوق يا افندم..حضرتك شرفتي المدونه.
      وميرسي جدا علي التكرم بالتعليق.

      حذف
  2. ولأخبرك -يا صديقي- إن أكثر ما يقتل المبدع فينا هو أن تحدّه بحدود..
    أن تضعه بداخل قفص -حتي لو كان ذهبيا- وتطلب منه أن يغرّد
    ويملأ الدنيا نغمْ.
    لهذا ابتدأت في فعل ما أخذته عليّ..وأخذت أنشر عن الحب..عن الأمل..
    عن الحياة..وعن كل ما عزلته عني القوانين،
    ونفتني عنه الأعراف والتقاليد.
    إنني رجل -يا صديقي- ليس يصلح أن يكون غير نفسه..عصيّ علي
    التشكل والصبّ في قوالب معدةّ، حريتي -كما يقول درويش- هي
    أن أكون كما أريد، لا كما يريد لي الآخرون أن أكون.

    ردحذف
  3. أنت رائعْ.. وكأنك تغرِفُ من مخبوءِ نفسي وتكتبْ

    حين أنظرُ إليكَ في حروفك، فكأني أنظرُ لمرآةِ روحٍ، أسعدُ كثيراً..
    وأمتنُّ لك أكثر

    ودُمتَ بكل ودٍ وخير

    ردحذف
    الردود
    1. لا ورقة في بلاد استوطنها الروتين منذ أقدم العهود تغدوا ذات قيمة الا اذا ذّيلت بخاتم شعار الجمهورية، او ما نسميه نحن (ختم النسر)..
      وهكذا أنظر الي كتاباتي كلها..فهي بلا ادني قيمة الا اذا تشرفت بقرائتها أيها الصديق الحبيب، ثم وقّعت لنا عليها بختم الصلاحية.
      جزاك الله عنا خيرا، ولا حرمنا الله شرف ونعمة الصحبة والمودة والحب فيه.

      حذف
  4. لا عجب أنك أعرضت عن هذا الهرج الصاخب في الأرجاء و قد توقعت ذلك حقا .. و إني لأشتاق إليك و إلى عرائس شمعك المتقد فأخطف النظر إلى مدونتك في صمت كلما سمحت به الظروف .. أبحث في ثناياها عن همسات روح تعرف معنى الانسان ..
    لربما لا تتذكرني و لكني لا أنساك و لا أنسى فضلك و توجيهك لي كما لا أنسى عبق حررفك المنبعث من خلال الشاشات .. تحية من صديق قديم جدا .. اعتزل شاشات النفاق هو الآخر ..
    مع حبي و فائق احترامي .. تلميذك .. الوردي

    ردحذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..