الخميس، 5 ديسمبر، 2013



صوت من الغابه../قصة قصيره

بخواء وبلا تركيز أخذ (كريم) يقلب أزار (الريموت) بين يديه،
كل القنوات تنقل ذات المشاهد..الشاشات كلها عبارة عن كتلة دم كبيره..محاطة بكتلة اكبر من التشفي والجنون.
قام بكتم الصوت وهو يحاول التركيز في وجه مذيعة البرنامج الشهيرة وضيوفها،أولئك الذين راح احدهم يتحدث عن الموت باريحية وبساطة، وكأنما يتحدث عن شراء (بطيخة) من سوق العبور..
لوهلة تخيل أن ملامحهم ستتبدل كما يحدث في قصص الخيال العلمي، لتبدوا من خلفها شخصياتهم الشيطانية الحقيقه.
إن الناس من حوله يتغيرون بشكل بشع..حارس العقار الذي يسكنون فيه..صاحب المطعم في اول الشارع، بائع الجرائد..الجيران..
رواد المقهي اسفل المنزل...،
لقد اصبح الموت في حسّ الجميع شيئا عاديا غير ذي بال،
انهم يتحدثون عن وفاة ثلاثمائة شخص كأنما يتحدثون عن موت ثلاثة فئران!،
بل يقسم انه قد سمع احدي جاراتهم تتمني ان لو ماتت نصف مصر من اجل راحة النصف الاخر..!
ان الناس يتطورون الي الاسوأ -يقول لنفسه- ولم يعد امامنا كثيرا لنتحول الي مجتمع من الزومبي ومن الموتي الاحياء.
زفر في ضيق ثم شعر بحاجته الي استنشاق هواء نقي، فأزاح الستارة التي تسد مدخل الشرفة -كي يفسح للهواء مجالا للدخول- وهو يلقي نظرة ساخطة علي أعمدة الدخان التي تتصاعد من شارع قريب حيث تدور اشتباكات عنيفة بين الامن ومجموعة من الاخوان وانصارهم.
تعجب انه قريب من الاحداث لهذه الدرجة وبرغم ذلك فقد قدرته علي التعامل معها.
اتراه يعيب علي الناس ساديتهم وتطورهم الي الاسوأ بينما هو قد صار مثلهم دون أن يدري..؟
لكنه في داخله كان يدري..انه ليست قضيته..!،
هو ليس ملتزما تماما..كالكثيرين غيره يحافظ علي صلواته ويحاول فقط ان يجعل قلبه خالصا من ناحية الناس فلا يحقد او يكره، لكنه احتك كثيرا بالاخوان والسلفيين وبقية التجمعات الاسلامية في مختلف فترات عمره، ويعرف اكثر من غيره انهم كاذبون..وأنهم بلا قضية حقيقية..ولإن كان قد سائه ما شاهده علي الفضائيات المصرية من تحريض وتشفي..فلقد شاهد ما هو اقذع واسوأ من قِبَلِ الاخوان ومناصروهم علي صفحات الانترنت، وعلم حقا ان التزييف والكذب شيء يجري في دماء الاخوان كالكريات البيضاء والحمراء..
وعجب كيف لشخص ان يجتر صور مآسي الشام والعراق وليبيا ليعيد تسويقها للمرة الثانية علي انها تحدث في مصر..؟
ربما يكون ما يحدث في مصر أسوأ..لكن ليست هذه هي المشكلة..
المشكلة ان هذا الذي يفعل ذلك ألم يَجُلْ بخاطره للحظة ان هناك من سيكتشف هذا التزوير..ألم يحسب حسابا لردة الفعل؟
- مسرحيات هزلية فوق مسرح من العبث -قالها لنفسه للمرة الثانيه- وهو يحدّ النظر الي النجوم التي تلمع في ليل السحر.
انه يحس وكان الارض تضيق عليه هو بالذات، وكانما يحيا داخل كرة من التضليل والكذب والنفاق اللجي التي تكاد تعتصر عنقه وتمنع عنه التنفس..يا لكم يشتاق حقا لعالم بلا كذب..وبلا نفاق او متاجرة بدماء الابرياء.
والأسوأ أنها متاجرة من كلا الطرفين، فهو-ككل الشباب المصري- قد التحق بالجيش مدة ثلاث سنوات عمل فيها ضابطا للإحتياط كفترة تجنيد اجباري، وهو يعلم اكثر من غيره ان الجيش عبارة عن عصابة من المافيا المنظمه، عصابة لا خلاق لقياداتها ولا عهد، وان ما يتم تصديره للواقع من مادة استهلاكية عن شرف العسكرية المصرية إنما هو هراء وفقاقيع هواء،
كذبْ كذبْ كذبْ..الجميع يكذب..والجميع يستخف بعقولنا..
-يخاطب نفسه بهذا للمرة الثالثة في ضيق-.
وهاهو الوطن يحترق علي بعد خطوات منه..لكن هل يشعر بالاسف..؟
الغريب انه لا يشعر بشيء!.. وكأنه يشاهد احتراق روما القديمة علي يد (نيرون) في أحد الأفلام السنمائيه،
لقد قتلوا بداخله كل انتماء، وبعد سبعة عشر عاما قضاها في التعليم يجلس في بيت والده بلا عمل..ولا أمل يواجه به الغد.
هذه ليست بلده..هي لم تعطه شيئا غير الذكريات..ولربما هي بلد هؤلاء المتصارعين علي الحكم اكثر منه..فلقد أخذوا منها الكثير..ولم يتركوا فيها شبرا دون ان ينهبوه.
تحسس عنقه وهو يشعر ان ضغط حصارالواقع يزاد من حوله بشكل لا يمكن احتماله، وفجأة قرر ان ينزل..الي أين..؟
لا يهم..فقط سينزل الان وحسب.
تناول ملابسه من المشجب القريب وتوجه صوب باب الشقه، لكنه رأي في طريقه غرفة اخته الصغيرة مضيئة فتوقف.
(هناء) فتاة في رقة ما تغزل الفراشات ونضرة الورود،
تصغره بعشرة اعوام..لهذا يشعر انها ابنته بشكل ما،
همّ بالنزول..لكنه اعاد غلق الباب ثم توجه صوب غرفتها ليدق الباب برفق.
-ادخل.
-مازلتِ مستيقظه..؟
وكيف انام من صوت الرصاص وهذه الاشتباكات التي لا تكاد تنتهي.؟
- هل انتِ خائفة.؟
- اغلقت (هناء) كراسة الرسم التي لا تفارق يديها ابدا وقالت وهي تضم ركبتيها الي صدرها وتستند عليهما بمرفقها- ليس تماما، فقط يمكنك القول إنني افتقدت الامان..ربما الي الابد.
يملؤني إحساس بالحنق،ولو اعلم كوكبا آخر يقبل استضافتي لتركت ارضنا هذه وانا ممتنة،
زميلاتي يقلن انهن يفكرن في شيء ما يمكن ان نزجي به اوقاتنا..لكن ما الفائده..؟، كل هذا عبث.فتبسم (حسام) بركن فمه كعادته وهو يقول لها:
نحن نحيا بين براثن مأساة الواقع يا صغيرتي...
ولابد لنا لنا من منفذ للهرب...
لهذا انتي ترسمين..وانا اكتب..وغيرنا يصلي..ورابع يستمع الي الموسيقي او غناء ماجده الرومي.
الكل يبحث عن طريق للخلاص، لابد لنا ان نفعل شيئا والا اصابنا الجنون.
- لوحت (هناء) برأسها متفهمة وساد الصمت بينهما للحظات قبل ان تعاود سؤاله:متي سيتوقف كل هذا برأيك..؟
- عندما نستعيد آدميتنا، او عندما يتوصل امراء الحرب هؤلاء الي صفقة مناسبة..أيهما أقرب.
فأعادت (هناء) هز رأسها للمرة الثانية وقالت وهي تعيد فتح كراستها لترسم: يمكن لك ان تراهن علي الخيار الثاني إذن فهو الاقرب للتحقيق!.
- ليقدر الله ما فيه الخير يا (هناء)...سأنزل.
- منزعجة رفعت اليه عينين ملتاعتين وهي تسأل: الي أين..؟
- ابتسم مجددا وهو يجيب: لا تقلقي..هي ليست قضيتي كما تعلمين..سأذهب للصلاة وحسب.
- فلتصل هنا..أرجوك...الرصاصات تتطاير هنا وهناك.
اتسعت ابتسامته وهو يقول مداعبا اياها: هل انتي خائفة علي.؟
-أنت أكثر من أخاف عليه في هذه الدنيا كما تعلم.
فنهض من علي طرف الفراش في هدوء وهو يقول -بينما راح يعيد خصلة شعرها المتناثرة علي وجهها: لن اتغيب طولا، أعدي لنا فنجانين من القهوة لنشربهما سويا في الشرفة كعادتنا ريثما اعود من الصلاة..المسجد في اول الشارع وليس بعيدا.
-حسنا، لكن لا تتأخر.
-سأحاول.
قالها مبتسما ثم توجه صوب الباب ليغلقه ورائه وهو يحسد نفسه علي وجود زهرة كـ(هناء) في حديقة حياته، وتمني ان لو اتاح له القدر فرصا أكثر ليعبر فيها عن مدي تقديره وامتنانه لها.
وعلي درجات السلم استعاد حواره معها...وتذكر كلمته وهو يقول لها انها ليست قضيته..وما هي قضيته إذن..؟
انه لم يكن له في عمره كله سوي قضية واحده..
وراح ذهنه يستعيد صورته إبان المرحلة الثانوية حينما كان يشاهد مرئيات للمجاهدين الشيشان ضد الغزو السوفيتي لأراضيهم..
لقد عاش فترته تلك وهو يحلم بالجهاد وسط هذه الغابات وتحت إمرة قادة عظام كـ(خطاب) و(باسييف).
كان هذا غاية أمله..
وتمني ان لو ظلت الحياة علي بساطتها..
لكن لا شيء يدوم للأبد.
كان مملوءا وقتها بفورة الحماس، وكانت دماء الشباب الفتية تعبق من حوله، فكان يجمع أصدقائه ومعارفه ليحدثهم عن صور البطولة التي يرسمها هؤلاء العظماء،
وتذكر كيف قال له صديقه (خالد) ذات يوم:
(يا كريم، لا تحدثني عن الجهاد طالما انت قاعد مثلي،
لكنني -أعدك- سأستمع الي كلماتك باهتمام أكثر حين تحولها الي واقع عملي علي الارض.)
خالد) الان في سوريا أما هو فمازال رهين المحبسين،) ورهين مواجعه التي لا تنتهي.
زفرة أخيرة أطلقها علي باب المسجد وانحني كي يخلع حذائه..
ثم فجأة سقط...!
لوهلة لم يفهم ما جري..فقط رأي الجميع يعدوا نحوه!،
أحسّ بألم في جانبه الأيسر..رفع كفه الي عينيه...دمّ!،
شاهد شباك غرفة أخته الصغري ينفتح..
سمع الصرخة من بعيد..
شَخَصَ ببصره الي السماء..
ظلام..
ولا شييء بعدُ!.
_ _ _

وفاة شاب بمنطقة سموحه اثر اصابته برصاصة قناص مجهولة المصدر.
جريدة الأهرام المسائي/الصفحة السابعه.
بتاريخ/18/8/2013
______


‘‘ما أهون الموت حين يكون مجرد خبر في جريده، أو سطرا في حكم محكمه‘‘
د.أحمد خالد توفيق
 __
تمــــــــــــــــــــــــــ(نورالدين)ـــــــــــــــــــــــت،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..