السبت، 15 يونيو، 2013

مصاصو الدماء / قصة قصيرة



أمرّ هذه الايام بحالة من الاكتئاب الحاد، لا اجد في نفسي الرغبة حتي لفتح شباك غرفتي، ولولا ان التنفس خارج عن ارادتي، لربما -من فيض مللي وارهاقي- توقفت عنه.
- هذا الكلام لا يعنيني في شيء، سأمرّ عليك بعد عشر دقائق لاصطحابك، انا لا استطيع التواصل معك الا لماما، وانها لمعجزة انك أجبت علي الهاتف، وثق انني لن أفوت هذه المعجزة دون الاستفادة منها.
- إسمعني انا...كليك.
انقطع الخط، فوضعت سماعة الهاتف من يدي وأنا أحاول التركيز بذهني المشوش كي اتذكر اسم ذلك الاحمق الذي اخترع الهاتف كي اخصه بدعوة تهبط علي رأسه مباشرة، لكني مع الاسف نسيت اسمه.
فكرت ان اتجاهل الامر واعود الي النوم، لكنني اعرف ما ينتظرني، عاصفة من البرق ستبدأ في قرع بابي بعد خمس دقائق ولن تتوقف الا بعد فتح الباب او تحطيمه.
انا ممن يؤمنون ان الصداقة تعطي للحياة معني اعمق، لكنني اكرهها جدا اذ تغدوا سببا في ايقاظي من نومي صباحا، او في اضطراري للخروجي من منفاي الاختياري هذا.
بصعوبة الملم جسدي المتبعثر فوق ملاءة السرير، أعيد ترتيب اجزاءه، الرأس في الاعلي..القدمين في الاسفل، اليدين علي جانبي، لا بأس كل شيء يبدوا في مكانه الطبيعي. فلأنهض اذا.
جارا قدمي، معلقا منشفتي فوق كتفي -في اعتداد- وكأنها حزام ال (w w E)، أتوجه كي أحصل علي حمام صباحي من الماء البارد -علي اعتبار ان تلك هي اسرع طريقة للعودة الي الحياة-، لكن قبلها لا انسي أن افتح الباب واتركه (مواربا) حتي لا تصطدم به العاصفة القادمة بعد قليل،ثم امر علي المطبخ لأعد نفسي فنجانا من القهوة الذكية الرائحه.
- اي وكر لمصاص دماء هذا...؟
- تناهي الصوت الي مسمعي مختلطا بقطرات الماء المتتابعة فوق رأسي، فابتسمت.
صديقي هذا مخلص حقا، لكننه -ككل الاصدقاء الحقيقين- يشعر انه ان لم ينتقدك فهو بهذا لا يوفي الصداقة حقها. لهذا تراه دائما ينتقد طريقة عيشي واسلوب حياتي، ويذكرني كل فترة انني قد بلغت من الاهمال حدا لا يمكن السكوت عليه وأنني لابد ان...
- الامر اصبح لا يطاق، لقد بلغ اهمالك حدا لا يمكن السكوت عليه.استمع لنصيحتي مرة واحدة في حياتك وتزوج.
- ابتسامة اخري مني وانا اتلحف المنشفة واستعد للخروج اليه.
رآني فرسم انطباعا بالفزع علي وجهه، ورفع يديه ليغمض بها عينيه وهو يقول: ايها الكونت، أرجوك لا تقتلني.!
- من كثرة نعتك لي بانني أشبه مصاصي الدماء في كل شيء، سيغدوا امرا طبيعيا ان اصحوا ذات يوم فأجد لي نابين، وبجواري تابوت كمرقد لي.
- انا لم ار هذه المشاهد التي اراها في غرفتك سوي في افلام (الكونت دراكولا) وزمرته.
ثياب مبعثرة، كتب في كل مكان، لوحات ملقاة بإهمال، فراش غير مرتب، فناجين قهوة فارغة تتعثر بها كل نصف خطوة،
فقط لا ينقصك سوي زوجين من العيون الحمر التي تنضح الدم.
- هذه اعراض الملل لا اكثر ولا اقل.
- وما المشكلة ان تكون ملولا مرتبا، ملولا مهندم الفراش متناسق الكتب..؟
- انا اتحدث عن ملل يتخلل كل جزئيات حياتك بحيث لا يترك لك فرصة للتفكير، ملل من النوع الصارم الجاد العابس الوجه، ملل في مادته الخام قبل أن يعرف أحدا أن هذا هو الملل.
- حسنا ايها الملول اسرع حتي لا نتأخر ورائنا مواعيد هامة.
- لن أخط قدما خارج الغرفة حتي اتناول كوب من القهوة في هدووووء بالغ، وإياك ان تستعجلني.. (القهوة اخت الوقت ولا تشرب علي عجل ) علي حد قول محمود درويش، ولو كنت متعجلا لهذا الحد فاذهب بدوني.

-مغتاظا يرد:  قراءاتك لهؤلاء الملاحدة لن تمر علي خير.
- انت جاهل.
- وانت مصاص دماء مهمل.
تبادلنا الضحك لثوان، ثم تركته لارتدي ملابسي بينما هو يعدّ القهوة لنا.
-لم تخبرني الي اين سنذهب ؟ -ناديته من الداخل-،
-لنجعل هذا مفاجأة.
-المفاجأت كي تنجح يا صديقي بحاجة الي مشاعر بكر لم تروضها الايام،أما انا شخص مستهلك لم يعد ثمة ما يفجؤني او يدهشني، والان الي اين نحن ذاهبون حقا..؟
- حسنا عندي اليوم محاضرة في الجامعة الامريكية سأتحدث فيها عن القناعة والصبر والامل كعناصر اساسية في الحياة، وأريدك ان تكون موجودا لتصغي.
- القناعة والصبر والامل...
اقولها وانا ارتشف القهوة في هدوء دون تعقيب.
- اعلم ان الامر قد يغدوا مملا بالنسبة لك -علي حد وصفك- لكنني لا اطمع منك في غير ان تسمع فحسب، لربما اقتنعت بما اقول، وحاولت ان تغير من نفسك.
أنت..الا تسمعني...؟
-بل سمعتك جيدا، لكن قل لي: كم بقي لدينا من الوقت قبل محاضرتك..؟
- حوالي الساعة.
- تمام، هيا بنا اذن فسنذهب الي مكان ما اولا..؟
-اين.؟
- ستعرف بعد قليل.

تناولت نظارتي من درج (الكومودينو)،بينما تقدمني هو بخطوات مسرعة الي باب الغرفة وهو يتلفت حوله متصنعا الحذر، ثم اشار الي ان تعال وهو يقول: كل شيء علي ما يرام، لا أحد من خصومك ينتظر ومعه وتد من الفضة يستعد لإيلاجه في صدرك، إن البارون (فان هلسنج) لا يؤدي عمله هذه الأيام كما ينبغي.!
- هذا كثير حقا، -أقولها في ملل- انت تبالغ في هذا الهراء، وهذا يؤكد ما اخبرتني اياه زوجتك من انك تهدد اطفالك بي كي يناموا والا جئتُهم علي هيئة خفاش طائر وشربتُ دمائهم.
- يقهقه في مرح وهو يقول: وسأظل افعل ذلك الي ان تهدم اسرار وحدتك هذا وتعود انسانا من جديد.
- ها قد ضمنا اذن انك ستجد ما تخوّف به اطفالك الي الأبد.
ثم انني امش تحت الشمس مثلكم، وهذا تأكيد آخر علي أني لست الكونت (دراكولا) متنكرا.
يتعالي صوت ضحكاته ونحن نهبط درجات السلم، ثم يضغط علي (ريموت) سيارته وهو يقول: ستري الان سيارتي الجديده، انها اكثر من رائعه.
وحقا ما قال فقد كانت سيارة فارهة جدا وغالية الثمن.
فتح لي الباب ثم آخذ مقعده امام عجلة القيادة ، ونظر في ساعته المذهبة وهو يسألني: الي اين...؟
- مستشفي الحسين الجامعي. هل زرته من قبل..؟
- علي الارجح لا، لكن ما الذي تريده من هناك، هل ثمة اقارب...؟
القيت برأسي الي الخلف وانا اقول له: قد وانت صامت، وحالما نصل ايقظني.
ولم يمض وقت طويل حتي شعرت بالسيارة تتوقف وهو يقول: هل انزل معك.
- طبعا.
- تجاوزنا مدخل المستشفي بصعوبة من كثرة زحام الواقفون عليه، وكل منهم يحمل في يده تذكرة دخول للعلاج يلوح بها في وجه عساكر الامن الذين يسدون المدخل بأجسادهم الشبيهة بأجساد الثيران البرية،
وهمّ احدهم بمنعنا لكن آخر بجانبه اشار الي السيارة التي هبطنا منها منذ قليل، وقال له: (دع البشوات يدخلون يا عدلي).
- فرمقنا عدلي بنظرة سريعة فاحصة ثم رفع يده الي رأسه ليؤدي لنا تحية شبه عسكرية وهو يقول: (اتفضلوا يا بهوات).
وبعد الخطوة الاولي ادرت وجهي فيما حولي وانا اشير الي صديقي كي ينظر هاتيك الاكوام من اللحم البشري التي تكدست في ردهة الانتظار وعلي السلالم في طريق الصعود، وفي مداخل الادوار.

 وكل منهم يحكي وجهه قصة معاناة قد رسم الالم لوحاتها الاولي فوق جباهم، وبين سواد اعينهم بألوان أشد قتامة وسواد. وفي قلوبهم بقيت اللوحة الاخيرة قابعة في انتظار الحصول علي امل للعلاج عسي أن يُمد في اعمارهم يوم آخر.
مذهولا صديقي مما يراه، أُمسك بيده مطوّفا به علي كل اقسام المستشفي، ملوحا بيدي كي ينظر تفاصيل المشهد المأساوي كاملة:
عجوز في التسعين من عمره تطلب منه ممرضة -رقيعة- ان يحترم سنه ويموت في صمت بدلا من كل هذه الضجة التي يحدثها!.
واخري تعنف سيدة في الثمانين -مصابة بالسكري- لانها قد استعجلتها كي تعطيها جرعة الانسولين التي تأخرت عن ميعادها ساعة كاملة!.
شاب يرتدي ملابس عتيقة -هو صورة مجسدة لليأس- يحاول ان يبحث عمن يساعده في اخراج قطعة من الزجاج انغرست في كف يده وهو ينظف احدي بالوعات الصرف الصحي.
وفي احد الاركان طفل غض صغير يكاد يتفتت قلبه من البكاء بينما يحاول أبواه ان يخلصاه من (جبيرة الجبس) التي قام احد أطباء الامتياز بوضعها له باسلوب خاطيء، كي يُعيد عملة (التجبير من جديد)!.
ومن غرفة الاستقبال يتعالي صراخ فتاة تعاني من حروق من الدرجة الثانية، بينما موظف الاستقبال يطلب من أهلها -ببرود وبلا أدني مبالاة- ان يقوموا بشراء المضادات والمطهرات من الخارج لان المستشفي لا يوجد بها شيء.!
- (لو سمحت يا ابني انا بئالي ثلاثة ايام بدور علي طبيب الباطنه عشان المغص الرهيب اللي عندي، بس كل يوم بيقولوا لي: انه مجاش النهارده. متعرفش يا ابني هيجي امتي...؟؟).
- (الله يخليك يا استاذ هو انت دكتور هنا...؟ طب متعرفش حد من الدكاتره اللي هنا..؟

اصلهم طالبين مننا تحاليل بخمس تلاف جنيه عشان يعملوا لابويا العمليه، متعرفش حد يخليهم يعملولنا العمليه من غير التحاليل الغاليه دي..؟)
- (بعد اذنك يا عمو ممكن لما تنزل تبعت لي أمي من تحت، اصل انا محجوزه هنا في المستشفي من يومين وهما مش راضيين يدخلوها).
- ............

آلاف من الاسئلة وجهت لنا في اقل من نصف ساعة، ملابسنا الانيقة مثّلت للحائرين هنا القشّة التي قد تنجيهم من الغرق.
انت تلبس نظيفا، اذن انت من الطبقة التي تملك ترف المعرفه، معرفة متي سيأتي دكتور الباطنه، ومتي سيُجرون العملية للرجل المسن، ومتي سيسمحون لأم الطفلة الصغيرة بالدخول..!
لكن غصة كبيرة في حلقي لم تسمح لحرف واحد بالخروج مني، فاطرقت في ألم وسحبت يدا صديقي لنخرج، لنجد في وجوهنا رجلا مُلقي قرب باب الخروج -علي الارضية- وبجواره زوجته ترفع له عبوة (الجلكوز) كي ينساب السائل في دمه، وهي تبكي في وحشة وقهر.
فتوقفنا امام المدخل بعض الوقت كي نتمعن قليلا في لمحات اكثر من معسكر التعذيب هذا الذي ينعتونه بالمستشفي.

 صراخ وغضب وانفعالات وآلام لا حصر لها من المرضي، يقابلها برود لا حد له ولا منتهي من طقم العاملين والاطباء علي حد سواء.
برفق ضغط صديقي علي يدي لنخرج، لنكرر -مرة اخري- السباحة بين امواج البشر المتلاطمة قرب المخرج.
فتحنا باب السيارة وبدا صديقي مصدوما وعلي وشك البكاء، أما أنا فكنت هادئا، لم ابك.لقد بكيت طويلا من قبل، لكن زمان بكاء العين الصاخب انتهي، وهذا أوان البكاء الهامس الذي يفتت القلب تفتيتا.
- الان ايها الاستاذ الجامعي -أقولها في قسوة وجفاء- يمكن لك التحدث كيفما شئت عن الصبر..والامل..والقناعه، بعدما رأيت بنفسك صورة مصغرة من صور الحياة.
لكن هذه المرة حاول ان تعايش ولو حرفا واحدا من كلماتك.
ان الكلمات جميلة حين تخرج من فم ناعم عطر، من روح  لم تهدهدها الاوجاع، من جسد لم يقهره المرض ويذله.
وانا واثق انك ستكون محاضرا مؤثرا، ذلك أن أفضل من يتحدث عن فضيلة الصبر هو الذي لم يجرب حزنا قط، وأفصح من يتحدث عن القناعة والرضا هو ذاته الشخص الذي لا ينقصه في هذه الحياة شيء.
يستمع إليّ مشدوها بنظرات حائرة فأكمل: مصيبتنا هي ابراجنا العاجية التي تفصلنا عن الجموع، هذه النظارات الداكنه، والسيارات الفارهة، والملابس الانيقة التي صنعت منا طبقة من سكان الفضاء، لا تعلم شيئا عن بقية المخلوقات التي نشاركها الحياة،لا فكرة عندنا عما يعانونه من قهر وظلم وتوحش وفظاعة وبشاعة.
بكل قسوة نتركهم يموتون عريا وجوعا ومرضا ويأسا وفقرا،ونظن اننا نقدم لهم الكثير حين نمنُّ عليهم بحديث عن الصبر، بكلمة عن الرضا، بقصيدة عن الامل...!
قل لي يا صديقي: اي صبر يجده قلبٌ يري اقرب الناس اليه يموتون وهو لا يملك ثمن ما يشتري به الدواء لهم..؟
اي رضا تنتظره ممن تجد الكلاب قوتها، بينما هو يموت طاوي البطن جوعان..؟
اي امل تنتظره مَنْ لازالت في مقتبل العمر، تأتي هذا المكان العفن بالاسبوع والاسبوعين محاولة الدخول -كي تتعالج من وجعها- فلا تنجح...؟ ناهيك عما ستلاقيه بعد دخولها فعلا.؟
اننا يا صديقي وحوش آدمية لابشر، مصاصين دماء حقيقين..من يجد منا في نفسه ذرة من القوة يستغلها ليبطش بمن هو اضعف منه، لتجتمع في النهاية كل ضوائق الارض ونوازلها واوجاعها فوق رؤس هؤلاء البؤساء الحائرين.
ثم تنظر أنت الي نفسك في المرآة وتقول لها في افتتان: يالكم انا مؤمن عظيم، سأتحدث اليوم عن الصبر والامل..!!
ساعتين من الكلام تتقاضي عليهما اكثر من خمسة الآف جنيه، ثم تعود لتستلقي فوق سرير من ريش النعام وكلك رضا عن نفسك.
يحاول أن يرد بصوت خافت، لكنني كنت هادرا ولا سبيل لمقاطعتي:
- ثم اين ستلقي المحاضره...في الجامعة الامريكية..؟!
علي مسامع طبقة العلاج في المانيا وفرنسا والسويد...؟
...أي سخف..؟

انني أدعوا -يا صديقي- لان نكون اكثر واقعية في المواساة،
انك حين تبشر المريض اول الليل بالصبح فانت في الواقع لا تقدم له خدمة جليلة، ستسهره ليلا طويلا جدا في انتنظار بشراك بلا جدوي..
سيسهر ساعتين..ثلاث..خمس...ثم بعدها ينادم ساعة الحائط في يأس وانكسار.

  قليل من الاحترام لاوجاع الناس يا صديقي المترف، كفّ -أنت وغيرك- عن المتاجرة بها وعن اختزالها في موجة كلامية بلا جدوي، اخلعوا نظراتكم، افتحوا ابواب سياراتكم، اختلطوا بهذه الجموع، ذوقوا ما يذقوه من من ويلات، ثم بعدها عودوا الي مؤتمراتكم ومحاضراتكم وتحدثوا -كيفما شئتم- عن الصبر..والرضا..والاحتمال.
- ولا تنس أن ما أريتك اياه صورة مصغرة الي حد لا يوصف لاوجاع الناس، صورة لها روافد كثيرة في بقية مستشفيات مصر، في كل اقسامها الشرطيه، في جميع مبانيها الحكومية ومرافقها الخدميه.
صورة لا تكاد تفارق ذهني او تترك خيالي، لهذا لم اعد اخرج من بيتي، شبعت من لمحات الظلم، اكتفيت من نظرات الانكسار، لم اعيد اطيق صرخات الوجع، اظلّ الليل سهرانا افكر في المرضي، في المعتقلين، في اليتامي الجائعين، في مقتولي الحلم، ومذبوحي الأمل، فيفجؤني الصباح وانا بلا طاقة، بلا رغبة في الحياة، فأنام....

 ساد الصمت لبضع لحظات بعد سكوتي، ودفن هو رأسه بين راحتيه في وجوم.
تأملت ملامحه للحظات ثم بنبرة حازمة تابعت: سأقود انا حتي اوصلك الي مكان محاضرتك ثم سأتركك بعدها وأعود لبيتي.
لم يعترض هذه المرة بل امتثل للأمر في صمت، فتبادلنا الاماكن وقدت انا، وقطعنا الطريق دون ان نتبادل حرفا واحدا.
واما مبني المحاضرات اوقفت السيارة ثم نزلت منها واعطيته المفاتيح وانا اقول له: ستعرف اين يمكن ان تجدني، اتمني لك التوفيق في محاضرتك، الي اللقاء.
ثم تركته ومشيت بضع خطوات، فحاول ان يلحق بي ولكن احد المنظمين اسرع نحوه يستحثه علي الصعود لأن الوقت قد داهمهم.
- درت -علي قدمي- حول المبني متوجها صوب بوابة الخروج، بينما صوت الميكروفونات الداخلية يتناهي الي مسمعي، والمقدم ينوه بوصول الدكتور المحاضر،
قدم صاحبي وبدأ هو الكلام.
خطوات تفصلني عن البوابة بينما صوته -المحبب الي قلبي- يستفتح الكلام في حزن بقوله:
انا لم آتكم اليوم محاضرا، لقد جئت انقل لكم صورا شاهدتها، أقصّها عليكم، فاسمعوا..
ومع الخطوة الاخيرة تناهي الصوت: سنفتح بابا للتبرعات في اخر المحاضرة وأنا اول المتبرعين بأجر هذه المحاضرة وفوقه مثله، كما سننظم افواجا للإحتكاك بالبسطاء والتعرف علي مشاكلهم عن قرب، ومحاولة تقديم يد العون اليهم بجدية اكبر..
كفانا متاجرة بوهم الكلمات وبالمجاز.......
كان هذا آخر ما سمعته قبل ان أغلق باب (التاكسي)، انها ستكون -فيما يبدوا- محاضرة عظيمة، وفكرت في أن صديقي ربما وجد أخيرا شيئا مفيدا يفعله لفاقدي الأمل،
بدلا من ان يضيّع وقته في ايقاظ مصاصي الدماء مثلي في السادسة من صباح كل يوم.
وعلي ذكر الدماء أحسست بالجوع، فتحسست أنيابي البارزة بأظافري الحادة ، وأنا أحدّ النظر الي عنق السائق بهدوء وتركيز شديدين، وغشاوة من الاحمرار تكسو عيناي شيئا فشيئا...

                                                                                                                                        تمت

نورالدين محمود

هناك 8 تعليقات:

  1. لله درك ودر قلمك

    عايشتُ روعتها، إلا أنني لم أبتلع نهايتها السعيدة!، حين استمرت حرارة الألم في قلب المحاضر إلى أن ترجمها عملاً..

    :)

    حفظك الله ياصديقي، ورزقك سعادة الدارين

    ردحذف
    الردود
    1. إطراء أعتز به من أديب مبدع مثلك،
      شكرا لما تفضلت به من وقت للقراءة،
      ودمت لي بخير.

      حذف
  2. كم أجدت الوصف حين قلت ": .....(.:لكن زمان بكاء العين الصاخب انتهي، وهذا أوان البكاء الهامس الذي يفتت القلب تفتيتا........) صدقت هكذا غدا بكاؤنا ..... فيانور الدين ما وصفته هوحال استشرى في كل مكان حال يفتت الفؤاد يقابله برود قاتل وتبلد في الحس , إلا من قلة ممن رحم الله تعالى , يتفتت فؤادها لماترى وتعرف , وتبذل مافي وسعها لتواسي وتنقذ ,,,,,وتأوي إلى فراشها وصور الظلم والإجرام لايبرح مخيلتها .... نعم والله لسنا بحاجة للمحاضرات ولا لمزيد كلام إلافيما يوقظ البقية الباقية من الإحساس ومراقبة الله سبحانه ,,, وكم تكن سعادتك عظيمة وقد استطعت أن تخفف ألم متألم وأن تقدم خدمة لمحتاج ,,, وترن في قلبي نصيحة والدي بل أوامره المشددة رحمه الله تعالى اذهبوا وفتشوا عن أصحاب الحاجات ولا تنتظروا حتى يأتوكم............. ولولا بقية من قوة وأمل أن يغفر الله لنا ولو بقليل نساهم فيه بكل طاقاتنا لنصرة أهلنا وإعانة من تتمكن من إعانته ,,, وأضف إلى ذلك , الأحوال الاجتماعية ةالانتكاسات النفسية الناتجة عن ظلم منتشر بألوان شتى , يحتاج أصحابه من يقف معهم في محنتهم .. والله أن الأمر يحتاج جهدا مضاعفا من الجميع .... إنها أيام الفتن غفر الله لنا وأجارنا منها وملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما ,,,,,,,,,فأقبل ومد يديك لعلك تخفف ألما أوتهدي أحدا ليبذل جهدا , ساهم بكلمة إيجابية تبقى مشرقة في القلوب وتحرك الأحاسيس والطاقات والله يرعاك

    ردحذف
  3. ان تتكرمي سيادتك وتقرأي فهذا في حد ذاته شرف عظيم،
    ان تتفضلي بالثناء والتعليق فهذا امر يعجزني عن الرد.
    جزيتم خيرا، وشكر الله لكم.

    ردحذف
    الردود
    1. بوركت يابني وزادك الله من فضله ’ عمق التفكير وصدق اللهجة ورهافة الحس نادرا ماتجتمع لدى أدباء هذا العصر ,,, ولذا لما اجتمعت فيك وأثريتنا بلوحاتك المتنوعة التي شهدت على ماقلته .... فكان ذلك يدفعني لزيارة مدونتك وأنا متشوقة لمطالعة لوحاتك الحّية الجديدة فأحيا عالما ينيره الصدق وتزينّه رهافة الحس , وأطمئن من خلاله على مضيّك في رسالتك , رعااك الله وثبّتك على الطريق , وأنار فؤادك بنور اليقين , وأسعدك برضاه وتوفيقه ,

      حذف
    2. كنت دائما أقول لمن حولي إن الخطوة الأولي في طريق النجاح أن تؤمن بنفسك، والخطوة الثانية أن تجد من يؤمن بك،
      ثم بعدها يغدوا كل شيء بسيطا هينا.
      والآن أشهد أني وجدت من يؤمن بي ويثق، قبل أن أؤمن أنا بنفسي.!
      وجود فضيلتك عندي -يا سيادة الدكتوره- يساوي حياة بأكملها.
      أنا عاجز حقا عن الشكر،

      حذف
    3. قصة حقيقية؟؟

      حذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..