الخميس، 9 مايو، 2013

مسرحية /الملك هو الملك..معايشة نقدية وتأثيرية:



مذهل..، وعبقري..،
هذا أقل ما يمكن استعماله من ألفاظ لتوصيف العرض المسرحي الذي قدم اليوم علي مسرح قصر الثقافة (2/5/2013)، في واحدة من الأمسيات الفنية النادرة التي لا تتكرر كثيرا.
ولتتصور مدي العظمة التي جسدها الممثلون علي خشبة المسرح جرب أن تقرأ المسرحية مجردة عن الشخوص، ثم ابتهل للقدر كي يتيح لك فرصة أن تشاهدها وقد دبّ فيها روح الفن، وجرت في عروقها حياة التجسيد...
ستجد البون شاسعا جدا، وستدرك حينها أي معجزة فنية وإبهار تمثيلي ذاك الذي وقعت عيناك عليه.
المسرحية -من وجهة نظري- يمكن اختصارها في عبارة واحدة:(إعط الضحية سوطا تصبح جلادا..!) ،
 أبو عزة الذي أودت به رغبة الانتقام الي حافة الجنون، بمجرد أن غمس في ظلال الملك والسلطان غمسة واحدة تصالح مع كل اعوجاجات الحياة ، وتناسي مدي بشاعة الجرم الذي ارتكبه كل من الشيخ الدجال المسمي (طه)  وشهبندر التجار في حقه وحق عائلته، بل وتمادي في محاولة التبرير والترقيع لهم، وقاس ظلمهم وفحشهم بمقاييس عِلية القوم الذين لا تساوي عندهم دمعة امرأة ثكلي، أو زفرة غادة متفجعة ثمن لحظة ترف واحدة بين المطارف فوق الأسرة والحشايا.
ان الدموع التي تهدر علي ابواب هؤلاء السادة، الآهات التي تنزف جراحها عند أعتابهم ، الصرخات التي يهدها الوجع فوق بلاطهم...أرخص في ناظرهم من أرخص ما يمكن أن  تشتمل عليه الحياة.
صورة واقعية قاسية ، لا تقل قسوة -وربما بشاعة- عن الملك الأصلي الذي يبحث عن جراح يتسلي بالضحك عليها..عن مغفل -كأبي عزة- يستمتع برؤيته وهو يتعلق بأستار واهية بين التعقل والجنون.
لكن الطغاة -وعلي حد تعبير سيد قطب- تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم ، ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون . ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون،
وملكنا هاهنا -محمود- واحد من أولئك، جرت معه السنة الكونية علي النسق المتبع من قديم الآباد، فسلبه مجنون ملكه..وصولجانه، وقصره، وامرأته..وسلطانه.
كل هذا فقط جرّاء لعبة..!.
الوزير - مصطفي- صورة أخري واقعية من الصور التي نراها كثيرا في مجتمع السادة أصحاب الأبهة والترف، أولئك الذين لا يكنون ولاءاً سوي لمن يحمل سيفا.
أويحمل المال والجاه والسلطان.
وكذا الأمر نفسه مع ربيبة الملك وحظيته -ميمونه-.
جارية جميلة رقيقة هي، لكنها تحترف الكذب، وتتقن خداع الملك، ومع ذا فهي تجيد -بعبقرية بالغة- التفرقة بين الدلال والميوعة. وتبصر -علي رقتها- ذلك الحد الفاصل بين أن تكون متزلفا، وأن تصير سمجا مرذولا. في الأولي لطافة تبصرها العين وتسمعها الآذان...لكن اليد لا تطول من ذلك شيء..وهذا لعمري سبب كاف ليخلد التاريخ سير الجواري ويكتب عنهن.
الأم -أم عزة- قاسية بعض الشيء، لا تعرف للرقة سبيلا، عابسة دائما..شاكية دائما..كل لفتة منها تحمل قدرا كبيرا من العنف والغلظة...
لكن هل نستطيع أن نلومها...
أنك لو أجزت لنفسك لوم الصخور علي صلابتها، لوم الجليد علي برودته، لوم النار علي حرارتها، لوم الليل علي صمته وغموضه..فحينها فقط قد تلوم هذه المسكينه...!
ان ام عزة امرأة جعلها القدر فانجعلت، ظُلم زوجها وأهين حتي جنّ، مطالب العيش الكثيرة التي لا تنتهي سحقتها، همّها..هم زوجها..هم الحياة ككل...
ثم يبقي الأشد والأنكي من ذلك كله ذلك الفصام النكد الذي يورق مضجعها، ويخزّه كلما طالبت بحقها في الراحة ، بشوكة ثلاثية الحروف كثيرة الآلآم: ع ، ز، هـ.
-دور (عزة) والتي جسدته علي المسرح إحدي الصديقات الكريمات أحد الأدوار المحورية الهامة في المسرحية.

ولعزة قصة تتكر كثيرا في واقع الحياة، يمكن لك أن تتملاها في وجه كل فتاة تجاهد كي تنقي حياتها من شوائب الحياة.
هل تري تلك الصغيرة التي تحلم..فيها من عزة أشياء.
هل تبصر هذي التي تنقب عن الحب بين الأشواك ،فيها من عزة أشياء.
هل تري ذلك الغزال الرقيق الوادع يدفع -بيد رقيقة- عن جسده غائلة الضباع..فيه من عزة أشياء.
عزة صورة مصغرة لنجم يجاهد كي يضحي كوكب، لجدول يحاول أن يغدوا نهرا، لنبتة في عرض الصحراء تحلم بالربيع الغرّ.
عزة فتاة رقيقة الحال، ممزقة بين أب يقضي شطر عمره مجنونا يبحث عن الانتقام، والشطر الآخر أشد جنونا، يتنكر فيه لامرأته وابنته..بل ويتنكر لنفسه ولما عاش من أجله.
وبين أم فرض عليها أن تلبس رداء الحزن الأبدي، وتتبرقع بوشاح الألم الذي لا ينتهي.
بين طامع فيها ومنتهز أقرب فرصة للإنقضاض عليها، وبين راغبة فيه لا يعبأ كثيرا بها..!
وبين ذلك كله قدّر لعزة أن تعيش، فإما أن تكون أو لا تكون.
وبرأيي أن عزة قدمت -حتي لقائها بالملك- أفضل نموذج لفتاة في حالها وظروفها، لكني أعتب عليها لو استسلمت لقدر بقائها بين الجواري والخدم، عزة اكبر من ذلك، وأعزّ.
ومع الإقتراب من خدر عزة ، تقترب المسرحية من نهايتها ، وتوشك اللعبة علي أن تنتهي..وككل لعبة في الوجود ثمة خاسرون وفائزون..
الملك الأصلي وعزة وأمها وعرقوب ومدير الأمن..علي رأس الخاسرين.
وأبو عزة والوزير الأصلي والشيخ والشاهبندر..علي قمة الفائزين..
تتغير رقعة الشطرنج..تتبدل ملوك..وتتغير قيادات..يصل حالمون..وتموت أحلام...
ثم بعد فترة -وكما يقول المؤلف سعد الله ونس- لا يبق تنكر ولا متنكرون..!!
وربما مازل لجماعة المتمردين الشباب -وفيهم محبوب عزة- دور في اللعبة لم ينتهي بعد...أو هكذا نأمل، وعليهم ألا يخيبوا رجائنا.
كما يتوجب علي أم عزة أن تكف عن الرثاء لنفسها..وعلي عزة أن تنجو من السير علي خطي ميمونة، وعلي مصطفي أن يكف عن اللعب، وعلي عرقوب أن يتوقف عن الآماني..
وعلي ابي عزة أن يخرج من أسر صولجانه ويعود -لا إلي عقله- بل إلي جنونه.!
وكم علي مسرح الحياة من مجنون لو تعقّل، لأحرق ودمرّ، ولقبّل إبليس عينيه ثم اهتدي.
ومع الختام أقول: إن الآداء المسرحي كان -في الجملة- مبهر، والممثلون قدموا فنا راقيا محترما وخلابا حقا. 
والشخصيات الثانوية في المسرحية هي الأخري تستحق الإشادة والإجلال.
كل تهانئي لمخرج هذا العرض المسرحي، وممثلوه، ومعدي الديكورات والإضاءة والموسيقي التصويرية الرمزية فيه،
فقد أتمّ كلُّ دوره كما ينبغي،وفاق آدائهم حدّ الإبداع.




                                      نورالدين محمود.
                                     (قسم الأدب والنقد)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..