الخميس، 20 مارس، 2014

فتحسس رأسك..!/مقال


 ليس يكفي فقط أن يكون الحق معك..
يشترط أيضا أن تكون إنسان..!!
هذا ما رددته بيني وبين نفسي وأنا أتابع كثيرا من الأخبار الأخيرة المؤلمة،
كل يدعي أنه صاحب الحق المطلق، وأنه المتحدث الرسمي باسم السماء، وأنه إذ يرفع سلاحه ليطلق النار فإنه يفعل ذلك بموجب تفويض مباشر من الله الكريم المتعال.
وبهذا المنطق يموت كل يوم الف شخص ممن نفخ الله فيهم من روحه المقدسه، لا لشيء الا لكون القاتل يري أنه وحده من يمثل الحق ما دام هو وحده من يملك السلاح!.
وهو المنطق ذاته الذي لطالما سالت بسببه أنهار الدم علي امتداد تاريخ هذه الامة بدءا من استشهاد ذي النورين عثمان، مرورا بفتنة الامام علي، ثم ظهور الخوارج، ومن بعدهم طغيان بني أمية،

ثم ظهور الحشاشين، وغلاة الرافضة، وانتهاء بما حدث بين الفئات المجاهدة والمقاومة في أفغانستان والشيشان وغيرهما في مطالع التسعينيات، ومن بعدهما العراق ثم اليمن وليبيا والان ما يحدث في بلاد الشام.
ليس يكفي فقط أن يكون الحق معك..
لأن الحق -مهما عظمت قوته- فقد يخفي عن بعض القلوب والعقول، وقد تتخطاه بعض الافهام، وقد يُحجب عن بصيرة بعض العيون.
لهذا يأتي دور الرحمة الممثلة في صفة الانسانية..الرحمة التي تصبر علي المخالف، وتتفهم الحواجز المانعة له عن التقبل، والتي تبذل غايتها في حفظ الروح التي براها الله.
الرحمة التي عناها الله بقوله (رحماء بينهم) ، واما نحن فقد عكسنا القاعدة لنصير(أشداء بيننا)، وطغاة علي بعضنا البعض.
يشترط أيضا أن تكون إنسانا..كي تتفهم الضعف..وترحمه، وتقدر اللفتات الانسانية التي تحيل اعدي الاعداء الي طفل صغير في ثوان..
كي تفهم آلام الاخرين..وتقدر وجعهم..وحزنهم..واحتراقهم.
وكي تتلمس مواجد جهادك في كل نفس مصعّد، وفي كل نبضة عرق جيّاشة.
وشرط أن تكون إنسانا هذا يجرّنا للحديث عن العقول المنغلقة..وما اكثرها بين جميع الفئات بشكل عام -والملتزمة منها بوجه خاص!-
ولنتحدث -علي سبيل التمثيل-عن مجال عملي وهو الادب والنقد، فلست أحصي عدد الجلسات التي حاولت فيها -مجرد المحاولة- الحديث او الاستشهاد بشعر نزار قباني او درويش او أمل دنقل او صلاح عبد الصبور او غيرهم، لأجد كماً لا يحصي من الهجوم والنفور ومحاولة المصادرة من الوهلة الاولي لكل ما اقول، دون حتي ان يبذل أحدهم أدني محاولة للتسمع او للتقبل -ناهيك عن الفهم-.
وهذه الانغلاقة النفسية ورفض الآخر شيء يُطبع مع النفوس المتجمدة التي لا تحاول ان تبذل جهدا لتحريك مياه عقلها الراكده، وكلما طال علي هذه النفوس الأمد كلما ازدادت هذه الفهوّة إغلاقا واحكاما، وحين تجتمع عقلية كهذه مع ما تظن وما تري انه الحق المطلق فحينها يمكن لك ترقب الكوارث.
ولقد كنت دائما كلما طالعت احدي نشرات المقاومة -علي طول امتداد العالم الاسلامي- وقرأت ما يطلبون من مؤهلات وخبرات في فنون القتال وحروب العصابات..الخ، كنت أتمني أن يكون من بين القائمة طلب لشخص يجيد لباقة الحديث وفن الابتسام والعلاقات العامة..
فبرأيي أن المقاومة -أي مقاومة- لم ولن يكتب لها النجاح الا اذا احتوي الافراد الممثلون لها علي مثل هاتيك الصفات..
إنها قضية مضمونة لكنها بحاجة الي مدّعين بارعين كي يستميلوا هيئة المحلّفين.
لهذا توجد علي امتداد تاريخ المقاومين حالتين أراهما -من وجهة نظري المتواضعة- شيئا فريدا ربما لا يتكرر في الجيل مرة..
الحالة الاولي يمثلها من العالم العربي والاسلامي أسامه بن لادن،
والحالة الثانية يمثلها من المقاومة العالمية الشيوعي الارجنتيني الثائر آرنستو تشي جيفارا.
(الاشخاص الذين أصابهم الامتعاض الآن من مجرد ذكر الشيوعي جيفارا هم بالمناسبة خير مثال علي الحالات التي يتحدث عنها هذا المقال،برغم أنهم ربما لم يقرءوا عنه حرفا واحدا..!)
فقد نجح اسامة بن لادن في فرض فكرته ومنهجه علي قطاع كبير من العالم الاسلامي بهدوءه وبساطته وسلاسته وبلاغته في الحديث -علي قلة خطاباته- ، اضافة الي ابتسامته الحانية التي يقطر منها -ومن عينيه- الحزن والالم،
كل هذا أكسب الرجل مصداقية ملأت القلوب من المحيط الي الخليج،
وجعلت حتي عتاة المخالفين له لا يخفي اعجابه وتقديره له علي المستوي الشخصي بالذات.
وفي المقابل نجد (التشي) يمثل انموذجا آخر لا يقل بساطة ووضوحا وتقبلا، علي قسوة فيه كان ينجح باقتدار علي ألا يري منها العامة والمحبون الا أقل القليل.
وإن من يقرأ مذكرات هذا الثائر يعلم جيدا أي روح شفافة قد احتواها جسده، وأي نفس حالمة تلك التي كانت تتواثب بين جنبيه.
وكلا الرجلين -أسامة والتشي- سنّا قاعدة صارمة لم يجرؤ انسان علي مخالفتها وهي ألا ترفع السلاح في وجه أخيك قط..هذه الطلقة التي تملكها صدر العدو أولي بها.
وإنه لمن المهم أن يفهم الانسان معني قدسية روح اخيه..وأنه ليس إلاها مفوضا كي يعمل قاضيا في الصباح وجلادا في المساء..
وأن ضغطة واحدة علي الزناد لا تصبح الدنيا بعدها كما كانت قبلها أبدا.
ومشكلتنا اننا دائما -شعوبا وأفرادا- نضع عنوانا أسمي ثم نصادر تحته ملايين العنواين الاخري..
فمن أجل الجهاد لا مشكلة ان تستباح الارواح..!
ومن اجل المحافظة علي مستوي مادي معين لا بأس من الرشي والسرقة والاختلاس..الخ!.
وهي الطريقة ذاتها التي نعيبها علي انظمة الحكم حين تصرّح انها لا مشكلة لديها في سبيل المحافظة علي كراسيها أن تبيد ثلاثة أرباع الشعب.
ويبدوا أنه قدر محتم علي هذه الامة ان تظل دائما تلوك جراحها، وأن تلعب أبدا علي مسرح الحياة دور الهرة التي أكلت بنيها، وكلما جاء مصلح او زعيم او قائد ذا قلب وعقل وفكر كلما امتدت الايدي الي قطف ثمرته قبل الاوان كي نعود يتخبطنا الظلام وتصطدم بنا العلائق.
ان الجهاد من أفرض فرائض هذا الدين..لكن لا تصادر باسمه حق انسان في الحياة.
وان المقاومة من اوجب واجبات الرجولة..لكن لا تستبح باسمها نقطة دم واحدة.
وان القائد الفذّ -الذي يولد ولا يصنع- هو من يستطيع ان يعبر بحر الدماء بمركب البطولة النظيفة..فلا يخوض بمجدافه في محجة دم واحدة، ولا يلوث طهره بنقيصة.
اننا نعيب علي الغرب طغيانه وهمجيته وبربريته، لكننا لا نتورعه عن ارتكاب المثل في ساعات كثيرة -بغض النظر عن مظلة الدعوة التي نتحرك تحتها-،
ونعيب علي الغرب لغة القوة المفرطة اتي يحدثنا بها بينما نفعل نحن المثل
مع بعضنا البعض دون رحمة أو هوادة.
وكل هذا يحولنا قسرا الي شعب هنود حمر آخر..مصيره الفناء علي يدي ابناءه.
وإنني لأطمح أن تشكل يوما كتيبة مقاومة من الادباء والشعراء والمفكرين وذوي المواهب الحية المتحركة..برأيي أنها ستكون الكتيبة الانجح علي مر الزمان..لا لشيء..الا لكونها ستقدر جيدا معني الحياة وجوهر ومفهوم الأسس التي تناضل من أجلها.
ولك أقول حاول دوما أن تحطم أسوار عقلك..وجرب أن تخرج أحيانا عن حدود تفكيرك ومنطقك كي تقيّم نفسك خارجيا، عالمك الداخلي هذا الذي أنت أسيرا له سيقتلك يوما برتابته..وانغلاقه..فجرب أن تُدخل اليه بعض التهوية..
وتحسسه فلربما وجدته يوما وقد أبدلت به رأس ثور..!
ولا تكن (كالراديو) المحلي المحدود البث..والذي لا يلتقط الا موجة واحدة وحسب..
كن فضائيا عالميا ولا تجعل اقمار عقلك الاصطناعية تتوقف يوما عن فلك دورانها.
وذا الذي أكتب يؤسفني، وعما أكتب يُشعلني الألم..لأنه كحقل رمال متحركة ان لم تحاذر فيه موضع قدميك فليس الا التردي والسقوط..
غير أني إذ أكتب هذا الكلام فعن قناعة تامة أنه لابد وأن يتحدث أحد عن ذلك المقتول الذي عاجلته الرصاصة من أقرب الناس اليه دون بينة..
وعن الاخر الذي أدار ظهره لمن معه ليغمد فيه سكينا..،
وعن الثالث..والرابع..والخامس...
وعن..وعن..وعن..
حتي بات حالنا مثلما قال الشاعر:
هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله..ومتى قتله..!
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك..
فتحسس رأسك..!

........

المتحسس رأسه/ محمود.

هناك تعليقان (2):

  1. مقالك جميل يحتوي الكثير من المعاني التي غفل عنها من يتصدى للدعوة في هذا العصر المتلاطم الأمواج والذي غرق في خضمها الكثير دون أن يلجأوا إلى سفينة النجاة ... ورائعة وصيتك :::ولا تكن (كالراديو) المحلي المحدود البث..والذي لا يلتقط الا موجة واحدة وحسب..
    كن فضائيا عالميا ولا تجعل اقمار عقلك الاصطناعية تتوقف يوما عن فلك دورانها.
    وذا الذي أكتب يؤسفني، وعما أكتب يُشعلني الألم..لأنه كحقل رمال متحركة ان لم تحاذر فيه موضع قدميك فليس الا التردي والسقوط.. .. نعم أوافقك ........(((ولكني أضيف وأقمار عقلك التي لانريد لها توقفا لابد لها من أن تنطلق على ضوء النور الذي يشع فيها فيصحح المسار ويعطيك قدرة على الانتقاء ... كما قال الله تعالى(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) هدانا الله لنوره وإياكم يابني الفاضل نور

    ردحذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..