السبت، 8 فبراير، 2014

جفاااف..جفاااف..جفاااف./خاطرة


لي قرابة الشهر لم اكتب حرفا..!
عندي مشاريع كثيرة لقصائد ومقالات وقصص وخواطر..لكنها جميعا غير مكتملة..
كما تعبس السماء وتكفهر فتجلب مظلتك وتنتظر القطر..لكن بلا فائدة..
فالسماء -برغم عبوسها- مجدبة.!
تختلس النظر بين فجوات الغمام عساك تلمح ولو لمعة لقطرة واحدة..لكن بلا جدوي..
يؤلمك الانتظار..يجرح كبريائك..لكنك لا تنتقل..ولا يتزحزح قيد أنملة عن مكانه مقعدك.
انني أكره قول هذا ولكن الحزن هو من صنعني..الالم هو من جعل مني ما أنا عليه -بكل محاسني ومساوئي-..
كان الحزن يحرقني فأكتب..الوجع ينهشني..فأكتب..الالم يثقل كاهلي فأكتب..
كانت الكتابة هي المضاد الحيوي الوحيد الذي وجدته فعالا لكل انكساراتي..
مضادا تعاطيته علي مدار عشر سنوات أثبتَ فيها فعالية باهرة.
لكن الاطباء دائما ينصحوننا بأن نغير مضاداتنا الحيوية كما نغير ملابسنا..لئلا يعتاد عليها الجسم فتصبح غير ذي أهمية.
ولم امتثل لنصيحة الاطباء ابدا..لسبب بسيط هو اني لا امتلك (مضادا) غير الكتابة..
فانا لا اعرف الرسم..ولا اجيد النحت او التصوير او اي موهبة اخري..
كانت الكتابة دائما هي زادي الاخير..حبي الذي لم يفارقني ابدا..صديقتي الاثيرة التي اطلب رقمها في اي وقت من ليل او نهار فأجدها مصغية كاملة الانتباه.
لم اتعامل مع الكتابة ابدا باعتبارها حرفة..ولم انظر للقلم والورقة في لحظة ما كما ينظر النجار لمطرقته ولا النحات لإزميله..
كنت دائما اعاملها باعتبارها آنسة رقيقة..بلورية الاطراف..نجمية الوجه..بدرية الملامح..شمسية الاجفان..عطرية الرائحة..
الكتابة..وكل ما يتصل بها كانوا دائما محور الاهتمام ومرتكز القلب الاول.
وقد كنت اجلس مرة مع احد اساتذة الادب والنقد وبين يديّ ديوان شعر اقلب في صفحاته برفق..وهدوء..وتؤدة..فعلق الاستاذ ضاحكا: (إنها مجرد صفحات..وليست يدا حبيبتك..!)،
ولم يبعد تعليقه عن الواقع كثيرا..بالاحري كان افضل وصف لتعاملي مع الكتابة وما ينجم عنها من منتجات.
وكانت الكتابة -كأية أنثي أخري- تمتلك من الذكاء ما مكنها من ملاحظة مكانتها في قلبي..فبادلتني حبا بحب وعشقا بعشق..وكانت اكثر من وقف بجانبي وضمدت جراحات قلبي وأراحت رأسي علي كتفها وطبعت علي اناملي قبلة الليل المعتادة بعد إسبال الجفون.
كان اصدقائي يرحلون واحد بعد الاخر فكنت اطيب خاطر قلبي: لا بأس بقيت لك صديقة وفية.
وكان حبي يتلاشي كغيمة عطر قاسية فأضع الضمادات علي الروح المهشمة المكسورة مرددا:
لا عليك..بقي لك حب ابدي.
وكانت الكتابة ما أعني...
هي لم تغضب مني يوما..كانت ارقّ من عرفت..
لم تعتب علي يوما..كانت أرأف من رأيت..
لم تسخر من عجزي يوما..لم تجلدني علي اخطائي..ولم تخرج لسانها متشفية في حماقاتي..
الكتابة كانت أجمل من قابلت يوما..وأحنّ.
كانت حاضرة دائما..أحيانا كنت اتركها ورائي في غرفتي وأعود لأجدها قد رتبت لي أفكاري وأوراقي وهندمت لي الثياب المتناثرة..
كانت تهتم بكل اشيائي الصغيرة التي قد يلقي بها اي شخص عادي في أقرب سلة مهملات..
تذاكر المترو القديمة..والقطارات..والباصات..، وعبوات (الكنز) القليلة..أكياس (الشيبسي) الفارغة..علب الشيكولا التي مر عليها خمس سنوات..أوراق الورد المهترئة التي اضناها البكاء بين دفتي ديوان (الشابي)..كلمات الغزل -القليلة- التي كُتبت لي يوما علي هامش ديوان (شوقي)..صدفة البحر البيضاء المفردة التي تحمل لي بداخلها بحرا من الذكريات..
أشياء قد تبدوا تافهة..مخلفات لا اكثر في نظر الكثيرين..لكن الكتابة كانت تعلم جيدا مقدار ما تمثله لي من حيوات وذكريات..فكانت تترفق بهن.
حين أعود كنت اجدها قد رسمت لي وجه من أحببت علي شباك نافذتي..
وصورت لي اصدقائي واحد بعد الاخر، وزرعتهم بداخل أصيص الورد الصغير علي جدار الشرفة..
كانت تفعل معي مالم تفعله جنية اسطورية مع حبيبها المدلل..
وكان هذا سحرا يفوق تحملي في بعض الأحيان فكنت آخذها معي..
أضعها -مع مفكرتي الصغيرة- بداخل حقيبة يدي لنتسكع سويا فوق أرصفة المحطات والشوارع شبه الخالية، وفي آخر الليل كنت أقدم لها قهوة ساخنة من كافتريا صغيرة أدمنا الجلوس عليها زمنا..ثم آخذ في الحديث معها عن أحلامي..وآمالي..وما أرجوه في مستقبل الأيام.
أحيانا كنا نتهادي سويا كموجتين علي شاطيء نهر..أو نتقافز كالأطفال بين الأحجار العملاقة التي تغلف شاطيء بحر..وكانت دائما سيدة الموج الساحرة التي لا تكف برائتها عن صلبي علي جدران الحب الأبدي.
كانت دائمة الحضور..وكان لها في كل كلمة او فعل (حلول)..
ضحكي..حزني..حتي أقسي وأعنف لحظات حبي...وكرهي..
وحين تغيب -ونادرا ما تفعل- كان يكفيني فقط أن أنادي اسمها لتعود..
كانت رسالة أبعث بها الي بريد القمر كفيلة بأن يجعلها تمثل امامي بكامل زينتها..وبهائها..ووضائتها الخرافية الساحرة..
لكن لي الان قرابة الشهر أنادي عليها فلا تجيب..أهاتفها فلا ترد علي الرنين..
بريد القمر قد امتلأ عن آخره برسائلي اليها..لكن النجوم تخبرني أن ختما واحد منها لم يفض..وأن الرسائل لم تزل جميعها مغلفة برحيق وحدتي..وانكسارات أصداء صوتي..
ويالكم أحتاجها الآن..
انك لا تحس بقيمة الشمس الا اذا كنت فرحا مملوءا بالنشاط..
لن تشعر بمدي روعة القمر الا اذا كنت عاشقا متقطع الانفاس، منبهرا من جمال حبيبتك وطيفها الرقراق..
لن تفهم سحر البحر ولا مدي أهميته للحياة الا اذا زرته يوما مثقل القلب منهك الشعور والاحساس..
هناك أشياء كٌثُر لا نحسّ بمدي فاجعتنا بفقدها الا حين نفقدها فعلا..!
ان هذه الاشياء هي ما يجعل من الحياة حياة..
هي ما يخلق في كل لحظة من لحظات العمر ثراءا شعوريا لا يقدر بمال..
لهذا فأنا أشتاق جدا للكتابة الآن..
حالة الفقد الكبير..وشعوري المفجع بالخواء..وقلبي المتصدع..وذكرياتي المترنحة..
في أشد لحظاتها احتياجا لما تتسند عليه..لما تتواري في ظل جناحه وصدره القوي..
وكانت الكتابة هي ملاذي الاخير..
الاخير قبل أن أصاب بجفاف الشعور..والحلق..والتعبير..والحياة.
انني فعلا بحاجة الي ان اكتب..خاطرة ما..قصة ما..مقالة ما..أخرج بهم كل ما بداخلي.
بحاجة الي معرفة اني موجود حقا..اني سأستمر لوقت أطول..
بحاجة الي فاتنة هي الكتابة..فهي وحدها من تملك ان تهبني من فيها قبلة الفن/العزاء،
من راحتها لمسة التعبير/المواساة، من جفونها لمسة الابداع/الحياة.
اني بغير الكتابة زورق بلا مجداف يتقاذفه الموج..
حمامة زاجلة بلا هدف او وجهة..
طفل أمام شاطيء بحر لا يعرف نقطة البداية كي يبني قصرا يراه في أحلامه كل يوم..
لكن الكتابة هجرت منذ زمن..طال عليّ الامد دون ان اخرج ما بداخلي علي الورق..
إنني كأرض جرداء ليس تنبت زرعا..
أرض هجرتها الخضرة وترحل عنها -مع أسراب الحمام- النماء.!
وإن شهر (فبراير) ليمثل في حدسي دائما رحلات هجرية موسمية لكل ما أحب..ومن أحب.
إن أهم وأغلي وأعزّ وأحبّ شيء الي قلبي في الحياة قد خسرته في هذا الشهر..
وفي أيام مشابهة لأيامنا هذه..
لقد سلبني هذا الشهر حُلمي البِكْر..وفرحتي الأولي في الوجود..
ولطالما رجوت من الكتابة ألا تلبي إغراءات هذا الشهر وترحل مع من رحلوا..
إنني بحاجة لأن يبقي أحد..لأن يسأل..لأن يهتم..
بحاجة الي حبي الاول..وصداقتي الاولي..
الي الكتابة التي كانت اول من خرجت معها..أول من تحدثت..من فرحت معها..وبكيت.
لم أزل أواظب كل يوم علي النداء عليها في وقت السحر..علي تفقد بريد القمر..
علي مسائلة كروانات الليل التي كانت تصلنا كل يوم بموسيقاها الندية
المفعمة بالشجن..
ولا يزال النداء يتردد كل مساء فتتناقل أصداءه النجوم التي أضناها السهر:
أيتها الكتابة أناديك..
فلا تتخلي عني.
رجاءا.

mahmoud
8/2/2014

هناك 10 تعليقات:

  1. السلام عليكم

    رد الله عليكَ حبيبتك،، ومن جرب بلسم البوح لها يشعُرُ وجدَ ما تقول.. ربما حبيبتك أيضاً غضبى منك لأنك تُخبئ بوحك عنها منذ زمن..

    دمت مبدعا يادكتور

    ردحذف
    الردود
    1. ربما أثارت كلماتك الرقيقات هذه غيرتها يا صديقي الحبيب فعااااادت..
      وحينها سأجد حتما ما يكفي من كلمات الشكر والثناء كي أكتبها ردا علي تعليقك الأكثر من رائع هذا.
      جزاكم الله خيرا.

      حذف
  2. كلمات عذبة رقراقة... كلما قراءت كلماتك تذكرت تلك الايااام الجميلة التى عشناها سويا وحديثنا العذب الذى مازلت اسمعة فى اذنى الى الان... جميلة هى الحياة بوجود اشخاص مثلك فيها يا دكتور محمود ... ادام الله الحب والوصال.

    ردحذف
    الردود
    1. ياااااااااه..لكم انا سعيد بتعليقك هذا ايها لصديق العزيز..
      ليس فقط لما يحويه من مجاملات رقيقة فهذا عهدي بك دائما..مجاملا ورقيق..
      ولكن بسبب ان الاحباب حين يكتبون لبعضهم البعض فانهم يخلدون مشاعر الحب بداخلهم لعقود طوال..
      هناك أشخاص -يا صديقي العزيز- يكون قدرهم السكني بداخل قلوب من احبوا..حتي لو فرقت بينهم الايام..وباعدت ما بين خطاهم السنون..وأنت في الحب والصداقة قدري..واني لسعيد جدا بهذا القدر..
      انت تعلم اني احبك..وأقدّر صداقتك..وأعتز بها أيّما اعتزاز..
      وعسي ان يكون علمك هذا شفيع لي -بعض الشي- يجبر نقص بالغ شكري لاهتمامك بالقراءة، ثم تكرمك بالتعليق يا فضيلة الباشمهندس..
      جزاكم الله خيرا يا اخي..
      وشكر لك.

      حذف
  3. حبيبتك يابني هي حبيبتنا , أيتها الحبيبة نوصيك بمحمود خيرا ,فكلما لبيت نداءه غمرت قلوبنا السعادة ....لأننا نفتقد من يترجم مشاعرنا , من يهدهد أحزاننا ,من يبعث الأمل في نفوسنا ,من يسطر الصدق بأحرف من نور ,في زمن تشوه أقلام من يكتب فيه بالدجل والعثار , كم هي رائعة خاطرتك ,وهل يستغرب من مرهف الحس هذا الإبداع , ورعى الله نفسا شفافة في صدقها , وريشة مميزة في نقشها

    ردحذف
    الردود
    1. انتي اعظم أم علي امتداد الزمان..لا حرمني الله منك ابدا.

      حذف
  4. لا اكل و لا امل من قراءة خواطرك..و كأنى كل مرة أقرأها و احس بها لأول مرة..
    دمت بخير..
    (انا)

    ردحذف
    الردود
    1. للقدر هداياه..وانتي هدية القدر لي لهذا العام..وللأعوام القادمة أيضا...
      وحين اعاود الكتابة من جديد فسيكون هذا لك وحدك...
      انني مدين لك حقا بالكثير..فشكرا يا أغلي الأصدقاء.

      حذف
  5. بني نور الدين , أيا محمود ,لو أدركت أبعاد الألم الذي انتابني لوجعك , حتى تمنيت لو أستطيع تقديم أي شيء مهما كان لأراك مبتسما سعيدا , قلت لنفسي أيمكنني أن أكون واسطة خير ألملم فيها وجعك وأمد يدا تمسحه تماما من فؤادك ؟؟ حقا لا أدري ماذا أقول , ولكني أدعو الله لك من أعماقي وفي صلواتي ::: ربي لاتريني في محمود ما أكره ,, أسعده وأكرمه ووفقه واصرف عنه كل سوء ... آمين آمين آمين

    ردحذف
    الردود
    1. ربنا ميحرمنيش منك ابدا ابدا ابدا ابدا ويخليكي ليا دايما ياااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااارب.

      حذف


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..