الاثنين، 22 أكتوبر 2012

من روائع البارودي..


محا البينُ ما أبقتْ عيون المها مني
فشِبتُ ولم أقضِ اللُّبانة من سني

عناءٌ، ويأسٌ، واشتياقٌ وغربةٌ
ألا، شدَّ ما ألقاه في الدهر من غبنِ

فإن أكُ فارقتُ الديار فلي بها
فُؤادٌ أضلتْهُ عيون المها مِني

ولما وقفنا لِلوَدَاع وأسبَلَتْ
مدامعنا فوق الترائب كالمزن

أهبتُ بصبري أن يعودَ، فعزني
وناديت حلمي أن يثوب فلم يُغنِ

ولمْ تَمضِ إلا خَطْرَةٌ، ثم أقلعت
بنا عن شطوط الحي أجنِحةُ السُّفْنِ

فكم مُهجةٍ من زَفْرَةِ الوجدِ في لظى
وكم مُقلَةٍ مِنْ غزرة الدمع في دَجْنِ

وما كنتُ جربتُ النوى قبل هذه
فلما دهتني كِدتُ أقضي من الحزن

ولكنني راجعتُ حِلْمي وردني
إلى الحَزْمِ رأيٌ لا يحومُ على أَفْنِ

ولولا بُنياتٌ وشِيبٌ عواطلٌ
لما قَرَعَتْ نفسي على فائِتٍ سِني

فيا قلبُ صبراً إن جزِعتَ، فربما
جَرَتْ سُنُحاً طَيْرُ الحوادثِ باليُمْنِ

فقد تُورِقُ الأغصان بعد ذبولها
ويبدو ضياء البدر في ظلمةِ الوَهنِ

وأيُ حسامٍ لم تُصِبهُ كهامُةٌ
ولهْذَمُ رُمْحٍ لا يُفَلُ من الطعنِ

ومن شاغب الأيامَ لان مَرِيرُهُ
وأسلمهُ طولُ المِراسِ إلى الوَهْنِ

وما المرءُ في دنياه إلا كسالِكٍ 
 مناهِجَ لا تخلو من السهل والحَزْنِ

فإن تكن الدنيا تولت بخيرها 
 فأهون بدنيا لا تدوم على فَنِّ!

تحملتُ خوفُ المَنِّ كلَّ رَزِيئةٍ
وحملُ رزيا الدهر أحلى من المنِّ

وعاشرتُ أخداناً فلما بَلَوتُهُمْ 
 تمنيتُ أن أبقى وحيداً بلا خِدنِ

إذا عرف المرءُ القلوبَ وما انطوتْ
 عليه من البغضاءِ - عاش على ضِغْنِ

يرى بصري من لا أودُ لِقاءَهُ
 وتسمعُ أذني ما تعافُ مِن اللحنِ

وكيف مُقامي بين أرضٍ أرى بها
 من الظلم ما أخنى على الدار والسَّكْنِ

فسَمْعُ أنين الجَوْرِ قد شاك مسمعي
 ورؤيةُ وجه الغدر حل عُرا جَفني

وصعب على ذي اللُّبِ رئمانُ ذِلةٍ
 يَظَلُ بها في قومه واهي المتنِ

إذا المرُ لم يرمِ الهناةَ بمثلها
 تخطى إليه الخوف من جانب الأمن

وكن رجلاً، إن سيمَ خَسْفاُ رمتْ به
 حَمِيتُهُ بين الصوارمِ واللُّدنِ

فلا خيْرَ في الدنيا إذا المرءُ لم يعشْ
 مهيباُ تراه العينُ كالنار في دغْنِ
____

  شعر/
محمود سامي باشا البارودي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..