‏إظهار الرسائل ذات التسميات صفحة المقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صفحة المقالات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 29 يناير 2015

عبقرية الابداع الصامت


تعجبني الافكار المبتكره..انها تشي بان حياة موفورة تقف خلفها..نشاط متقد لا يمكن كبح جماحه، ان كل ما هو جديد وغير تقليدي يأسرني مهما كان بسيطا.وليس أثقل علي نفسي من محاولات التقليد والرتابة ومحاكاة ما هو موجود فعلا..هذه الحالة -علي عكس الاولي- تشي بالموت..وبرودة الصقيع.
ومما لاحظته ان 99 بالمائة من الافكار المبتكرة انما ترجع الي الاشخاص العاديين او ربما الجامحين ، مقارنة بمن عداهم من الملتزمين أوالكلاسيكين..ربما لأن هؤلاء أشربوا التقليد، بينما أولئك مرنوا منذ نعومة أظافرهم علي التفكير خارج الصندوق..وخارج العادات والقواعد والتقاليد.
ولو أخذنا -علي سبيل المثال- مشهدا من المسرح السياسي فسنجد ان الاخوان -بعد عزل مرسي- سارعت الي تنفيذ فكرة (تمرد) المبتكره، وعملت علي محاكاتها بفكرة (باطل) المقلده، وكان لابد لخطوة كهذه أن تفشل لأنها ولدت ميتة من الاساس..وقس علي هذا بقية الخطوات التي أتبعت الي الآن.
لذا فإن التحدي الحقيقي من وجهة نظري هو كيف تنشيء جيلا ملتزما وقادرا علي الابتكار والتجديد..لا تضعه داخل تابو المحرمات والخطوط الحمراء والزرقاء والصفراء..ان وصايتنا علي العقول هي الجريمة الاعظم التي نرتكبها تحت ستار الحسبة والقيام علي الحقوق..ثم اننا بحاجة الي تلقين النشيء شيئا من الجنون..لأنه لا ابتكار بلا لمسة مخاطرة وجنون..علي حد قول (هيلين كير): الحياة إما ان تكون مخاطرة مجنونة أو لا شيء.
وكمثال علي الفكرة البسيطة المبتكرة الساحرة هذه الصورة..وفيها يبدو (كوبري المشاة) الصغير هذا مليئا بالاقفال، وكل قفل فيها يعبر عن وعد ما اتخذه شخصان وتعاهدا عليه، ومن ثم جاءا بقفل فأغلقاه -كنوع من التوثيق- ورميا مفتاحه في الماء لئلا يسترد ثانية فلا يخلف أحدهم وعده مع الآخر..فكرة بسيطة..لكنها معبرة..
جدا.

محمود

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

اسطورة النسيان.


أتراني حدثتكم يوما عن وجهة نظري ف الحياة...؟
تقولون انكم لا تريدون سماعها اصلا..؟!
لا بأس..كنت أعلم انكم لن تمانعوا..لا أحد يرفض سماع رأي شخص مثلي في الحياة..
لهذا لن أضن عليكم بخبرة الربع قرن التي أحملها في جعبتي..
فقط دعونا نرتمي تحت ظل هذه الشجرة هناك..ثم نفرغ معا تلك الجعبة كي نتصفح ما فيها من خبرات...
هذه الجعبة -وما بداخلها- هي كل ما أملك..فرجاءا لا يستغفلني احد ويسرق تذكارا ما..
او يعبث بلفافة مغلقه..هذه اشياء خاصة جدا كما تلاحظون.
هل جلستم جميعا..هل تصيغون السمع..لنبدأ اذن.
............................؟؟!!
معذرة لقد نسيت لماذا جمعتكم..هه.؟،وجهة نظري ف.. آه..نعم..
لقد تذكرت..
معذرة فلم يعد النسيان حكرا علي كبار السن..لقد أصبح لكل منا نسيانه الخاص..
خط دفاعه الداخلي الذي يحمي قلاع روحه من الذوبان حسرة علي ما ضاع منه وما فقد.
أنتم أطفال صغار لهذا اري في عيونكم نظرات الانبهار..وكأنكم تنتظرون مني أن اكشف لكم -بمنتهي السهولة- عن سر الاسرار الذي قضت جميع الكائنات وهي تبحث عنه.
انتم اطفال صغار فربما جال بخاطركم اني قضيت عمري في محاربة وحوش الاعماق الغامضة، ومطاردة العنقاوات في فلوات الليل الضرير..
انتم اطفال صغار لهذا تعتقدون ان الخطر لابد ان يكون دائما واضحا مكشوفا..وان الاعداء هم بالضرورة كائنات متوحشة مفترسة يسيل السم من شدقيها،وتنفث من حلوقها النار..
أراكم تنظرون بلهفة لما تحوية جعبتي..في سركم تتسائلون..هل سيخرج منها (كوبرا) عملاقة تتراقص علي انغام ناي سحري ينبت فجأة من اللا مكان..هل ينبعث منها ضجيج مخلوق صغير يقطع راحات ايديكم في مشقة وعناء..هل بها بذور سحرية تنمو في لحظات لتحمل معها احدنا الي ما فوق السحاب...
انتم صغار لدرجة أني أكره أن اخيب ظنونكم..لكنني لست هذا الساحر الذي تعتقدون..انني بشري مثلكم يا صغار..يعتريني ذات الضعف الذي يعتريكم..تتهدم اركاني وينقض بناء روحي مثلما يحدث لاحدكم ان اخذوا منه لعبته الصغيره.
لا تصدقون..؟!، اتعتقدون انه لمجرد كوني تجاوزت عمرالربع قرن ببضعة اشهر فقد صرت بالضرورة مخلوقا خارقا محرم عليه الشعور بضعف او وجع..؟
مازالت تعلو اصواتكم اعتراضا واحتجاجا والحاحا علي رؤية ما تحويه هذه الجعبة..؟
ليكن..فانا اعلم كمية ما تحويه روحكم من عناد..تلك الكمية التي ستظل تتناقص لديكم شيئا فشيئا حتي تصلون الي نفس عمري..حينها ستتوقفون عن المعانده..وستتقبلون حقائق الحياة راضين مختارين.
تتقطع انفاسكم لهفة وانا ادس يدي في جعبتي..تتزاحمون كي تروا ما هنالك..يخيل اليكم ان الافلاك البعيدة ذاتها قد توقفت عن الدوران في مجراتها كي تختلس نظرة هي الاخري...تنفرد راحتاي في وجوهكم حاملة كل ما هنالك..
مصحفا..ووردة..؟
تتبادلون نظرات الاستنكار غير مصدقين..تودون ان لو هشمتم رأسي لربما تجدون فيها ما هو أثمن..؟
لا تنسوا يا رفاق انني قد حذرتكم..فليست الخامسة والعشرين بالجديرة بما تنسجونه حولها من أساطير..لكن ان كنتم تمتلؤن اصرار للحصول علي قصة ما..واسطورة ما..فلم لا تعتبرون مصحفي ووردتي هما هذه القصة..وهذه الاسطورة..؟
اتعتقدون يا صغار انه ان تعرف الله في زمان كهذا لا يعد امرا اسطوريا..؟
أن القدرة علي أن تحب في هذا الزمان ليس حدثا خرافيا..؟
تقولون: إن سمات الالتزام لا تبدوا عليّ..وليست تقاطيع وجهي فرحة بما يكفي للقول اني قد نجحت في الحصول علي من أحب..؟
معكم كل الحق..انني لم أنجح تماما في الحفاظ علي هذين الامرين..ربما لهذا احمل تذكارا خاصا لكل منهما..فالتذكارات هي حبل مشيمتنا الذي يشدنا دائما الي حقيقتنا..الي ذاتنا الحقيقية التي تُباعد بيننا وبينها الدروب يوما بعد يوم..
وبرغم كل ما اعتراني في الحياة من عوائق الا انني سأبقي دائما يشدني شيء ما الي ايام التزامي الاولي..والي حبي الاول ف الحياة.
ان هذين الامرين هما الحقيقة الوحيدة فيما انقضي من عمري..القِبلة الفريدة التي اهتدي اليها مها ضيعتني رياح الصحراء..جزيرتي الخضراء التي استنشق عبير ورودها من بين رذاذ الملح الذي ينضحه الموج علي وجهي حين يضل بي السفين.
انكم غير مغرمين سوي بسماع القصص عن الاراضي البعيدة التي يتحول فيها الناس الي ذئاب عند منتصف الليل ويعوون..، الاراض التي يختبيء فيها وراء كل حجر خطرا مميتا قاتلا، وتحت كل نبتة سرا مهيبا ساحرا..
لأقل لكم اذن انكم تبحثون عن الخطر السهل..عن الخطر المكشوف الذي يتلون فيه كل شيء بلونه الحقيقي..الخطر الذي لا بطولة في مواجهته..ولا خطر في خطره.!
ان ارضنا هذه هي ارض الاساطير الحقيقية..القدرة علي ان تعرف ما يخبئه الناس خلف وجوه البراءة والطيبه هي المغامرة الاصعب..السفر الي اعماق من يظهرون الود هو السفر الاكثر عنتا ومشقة..ان تحافظ علي كينونة الروح السامية النافرة الي ما وراء الغيم حيث يشدك كل شيء الي الاسفل هو الانجاز الحقيقي.
ان تظل تؤمن وتحب..تصلي وتهمس بكلمات العشق..أن تخلص لللّه ولمن تحب في مثل هذا الزمان..هي الاقصة الاجدر بالخلود اكثر من قصص الشطار والبحارة الذين يؤمّون بلاد الجان.
أن تكن نفسك هو النصرالاعظم..والاكثر اسطورية في الحياة.
لستم تصدقون حرفا واحدا مما اقول..؟ تنفضون اثوابكم واحدا بعد الاخر وترحلون، هذا شأنكم، لكنكم ستتذكرون كلامي هذا يوما ما حين تبتعدون عن الله..حين تجرحون من يحبكم..او تسيئون انتم الي من تحبون..
حين تنظرون الي ذاتكم من الداخل فترون مسوخا لا تتورع عن الظلم ومقارفة البهتان من اجل غرض حقير..حين تمارسون الكذب في بساطة واحترافية مثلما تتنفسون.
ولتعلموا انكم وحوش الغد الني نربيها اليوم..انتم طغاة المستقبل الذين تعدكم الايام لتقهروا من حولكم طالما انتم مخدعون هكذا.
لقد حاولت ان اختصر عليكم سنين طوال..وأوفر عليكم وحشة التيه الذي ستغزوكم يوما بعد يوم..لكنكم مازلتم تبحثون عن الخطر السهل..وتجرون وراء الوهم الخادع..
حتي اذا واتتكم الفرصة جميعا اقترفتم كل اثام الحياة دون ان تصدقوا انكم هكذا اصبحتم الاشرار الممتلئين حتي النخاع بالقبح والبشاعة..
فقط لان الاشرار دائما في انظاركم هي المخلوقات ذات العيون المتوهجة بلون الدم..المسنونة الانياب والاظافر..القادمة من ارض تربتها حمراء وهوائها محتل برياح السموم.
الأشرار في حسكم هم الآخرون دائما..
لكن الحقيقة هي أنكم أنتم الاشرار ايها المخدوعون في حقيقتكم..
الخادعين انفسكم عن ان تري ما بداخلكم..
الاشرار هم نحن جميعا مادمنا نستمر في الكذب علي انفسنا قبل الكذب علي الاخرين..
الاشرار هم نحن حين نقترف جريمة الحياة في حياة لا تستحق الحياة.
لقد رحلتم يا صغار..
أخافتكم ثورتي فرحلتم قبل أن أقول لكم ان هذه هي وجهة نظري فـ....
في ماذا..؟!..لا اتذكر..!!، ولم يعد أحدكم هنا كي يذكرني.
سامحوني اذن.. 
فقد أضحي النسيان مشاعا الي حد أني قد أدمنته..
وكما تعرفون.. لكل منا نسيانه الخاص..الخاص جدا.
فلترحلوا اذن..ولأكمل أنا وحدي المسير..
الي أين؟؟
لا أدري..فمجددا قد نسيت.


محمود
10/10/2014

الخميس، 20 مارس 2014

فتحسس رأسك..!/مقال


 ليس يكفي فقط أن يكون الحق معك..
يشترط أيضا أن تكون إنسان..!!
هذا ما رددته بيني وبين نفسي وأنا أتابع كثيرا من الأخبار الأخيرة المؤلمة،
كل يدعي أنه صاحب الحق المطلق، وأنه المتحدث الرسمي باسم السماء، وأنه إذ يرفع سلاحه ليطلق النار فإنه يفعل ذلك بموجب تفويض مباشر من الله الكريم المتعال.
وبهذا المنطق يموت كل يوم الف شخص ممن نفخ الله فيهم من روحه المقدسه، لا لشيء الا لكون القاتل يري أنه وحده من يمثل الحق ما دام هو وحده من يملك السلاح!.
وهو المنطق ذاته الذي لطالما سالت بسببه أنهار الدم علي امتداد تاريخ هذه الامة بدءا من استشهاد ذي النورين عثمان، مرورا بفتنة الامام علي، ثم ظهور الخوارج، ومن بعدهم طغيان بني أمية،

ثم ظهور الحشاشين، وغلاة الرافضة، وانتهاء بما حدث بين الفئات المقاومة في أفغانستان والشيشان وغيرهما في مطالع التسعينيات، ومن بعدهما العراق ثم اليمن وليبيا والان ما يحدث في بلاد الشام.
ليس يكفي فقط أن يكون الحق معك..
لأن الحق -مهما عظمت قوته- فقد يخفي عن بعض القلوب والعقول، وقد تتخطاه بعض الافهام، وقد يُحجب عن بصيرة بعض العيون.
لهذا يأتي دور الرحمة الممثلة في صفة الانسانية..الرحمة التي تصبر علي المخالف، وتتفهم الحواجز المانعة له عن التقبل، والتي تبذل غايتها في حفظ الروح التي براها الله.
الرحمة التي عناها الله بقوله (رحماء بينهم) ، واما نحن فقد عكسنا القاعدة لنصير(أشداء بيننا)، وطغاة علي بعضنا البعض.
يشترط أيضا أن تكون إنسانا..كي تتفهم الضعف..وترحمه، وتقدر اللفتات الانسانية التي تحيل اعدي الاعداء الي طفل صغير في ثوان..
كي تفهم آلام الاخرين..وتقدر وجعهم..وحزنهم..واحتراقهم.
وكي تتلمس مواجد جهادك في كل نفس مصعّد، وفي كل نبضة عرق جيّاشة.
وشرط أن تكون إنسانا هذا يجرّنا للحديث عن العقول المنغلقة..وما اكثرها بين جميع الفئات بشكل عام -والملتزمة منها بوجه خاص!-
وهذه الانغلاقة النفسية ورفض الآخر شيء يُطبع مع النفوس المتجمدة التي لا تحاول ان تبذل جهدا لتحريك مياه عقلها الراكده، وكلما طال علي هذه النفوس الأمد كلما ازدادت هذه الفهوّة إغلاقا واحكاما، وحين تجتمع عقلية كهذه مع ما تظن وما تري انه الحق المطلق فحينها يمكن لك ترقب الكوارث.
برأيي أن المقاومة -أي مقاومة- لم ولن يكتب لها النجاح الا اذا احتوي الافراد الممثلون لها علي مثل هاتيك الصفات..
إنها قضية مضمونة لكنها بحاجة الي مدّعين بارعين كي يستميلوا هيئة المحلّفين.
وإنه لمن المهم أن يفهم الانسان معني قدسية روح اخيه..وأنه ليس إلاها مفوضا كي يعمل قاضيا في الصباح وجلادا في المساء..
وأن ضغطة واحدة علي الزناد لا تصبح الدنيا بعدها كما كانت قبلها أبدا.
ومشكلتنا اننا دائما -شعوبا وأفرادا- نضع عنوانا أسمي ثم نصادر تحته ملايين العنواين الاخري..
فمن أجل الجهاد لا مشكلة ان تستباح الارواح..!
ومن اجل المحافظة علي مستوي مادي معين لا بأس من الرشي والسرقة والاختلاس..الخ!.
وهي الطريقة ذاتها التي نعيبها علي انظمة الحكم حين تصرّح انها لا مشكلة لديها في سبيل المحافظة علي كراسيها أن تبيد ثلاثة أرباع الشعب.
ويبدوا أنه قدر محتم علي هذه الامة ان تظل دائما تلوك جراحها، وأن تلعب أبدا علي مسرح الحياة دور الهرة التي أكلت بنيها، وكلما جاء مصلح او زعيم او قائد ذا قلب وعقل وفكر كلما امتدت الايدي الي قطف ثمرته قبل الاوان كي نعود يتخبطنا الظلام وتصطدم بنا العلائق.
ان الجهاد من أفرض فرائض هذا الدين..لكن لا تصادر باسمه حق انسان في الحياة.
وان المقاومة من اوجب واجبات الرجولة..لكن لا تستبح باسمها نقطة دم واحدة.
وان القائد الفذّ -الذي يولد ولا يصنع- هو من يستطيع ان يعبر بحر الدماء بمركب البطولة النظيفة..فلا يخوض بمجدافه في محجة دم واحدة، ولا يلوث طهره بنقيصة.
اننا نعيب علي الغرب طغيانه وهمجيته وبربريته، لكننا لا نتورعه عن ارتكاب المثل في ساعات كثيرة -بغض النظر عن مظلة الدعوة التي نتحرك تحتها-،
ونعيب علي الغرب لغة القوة المفرطة اتي يحدثنا بها بينما نفعل نحن المثل
مع بعضنا البعض دون رحمة أو هوادة.
وكل هذا يحولنا قسرا الي شعب هنود حمر آخر..مصيره الفناء علي يدي ابناءه.
وإنني لأطمح أن تشكل يوما كتيبة مقاومة من الادباء والشعراء والمفكرين وذوي المواهب الحية المتحركة..برأيي أنها ستكون الكتيبة الانجح علي مر الزمان..لا لشيء..الا لكونها ستقدر جيدا معني الحياة وجوهر ومفهوم الأسس التي تناضل من أجلها.
ولك أقول حاول دوما أن تحطم أسوار عقلك..وجرب أن تخرج أحيانا عن حدود تفكيرك ومنطقك كي تقيّم نفسك خارجيا، عالمك الداخلي هذا الذي أنت أسيرا له سيقتلك يوما برتابته..وانغلاقه..فجرب أن تُدخل اليه بعض التهوية..
وتحسسه فلربما وجدته يوما وقد أبدلت به رأس ثور..!
ولا تكن (كالراديو) المحلي المحدود البث..والذي لا يلتقط الا موجة واحدة وحسب..
كن فضائيا عالميا ولا تجعل اقمار عقلك الاصطناعية تتوقف يوما عن فلك دورانها.
وذا الذي أكتب يؤسفني، وعما أكتب يُشعلني الألم..لأنه كحقل رمال متحركة ان لم تحاذر فيه موضع قدميك فليس الا التردي والسقوط..
غير أني إذ أكتب هذا الكلام فعن قناعة تامة أنه لابد وأن يتحدث أحد عن ذلك المقتول الذي عاجلته الرصاصة من أقرب الناس اليه دون بينة..
وعن الاخر الذي أدار ظهره لمن معه ليغمد فيه سكينا..،
وعن الثالث..والرابع..والخامس...
وعن..وعن..وعن..
حتي بات حالنا مثلما قال الشاعر:
هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله..ومتى قتله..!
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك..
فتحسس رأسك..!

........

المتحسس رأسه/ محمود.

السبت، 22 فبراير 2014

الاخرون دائما..!/مقال


من قرأ أدبيات نهاية فترة الستينيات من القرن الماضي يمكنه -بلا كثير جهد- ان يدرك حجم الانتكاسة التي مُني بها الجميع حينذاك..
يقولون انك لو كنت حدّقت النظر بداخل اي عين وقتها لوجدت الدمع يترقرق فيها،
ولو استرقت السمع لاي صوت لتلمحت بحّة وخنقة شديدة تغزوه.
لوهلة توقف حينها كل شيء في قلوب الناس..الحب..والكره..الامل..والالم..
كان الكل غير مصدق كيف أن حُلما بحجم الدنيا كلها يمكن ان ينكسر بتلك السهولة..!
وبعدما ذهبت سكرة الصدمة عن الجميع، بدأ البعض منهم يصبّ لومه الشديد علي القيادات العسكرية والسياسية الحاكمة وقتها،
بينما اختارات الغالبية العظمي ان ترتحل الي ما وراء الغيم..
وأن تعطي ذهنها اجازة طويلة عن متابعة الواقع وما يستجد فيه من متغيرات،
وأن تقدم استقالتها للوطن -بكل ما فيه ومن فيه-
فمرّ المجتمع -وقتذاك- بأكبر حالة هجرة شعورية تمثلها يوما.
ويُخيّل الي أننا -معاشر الشباب- نمر بالموقف ذاته هذه الايام..
فبعد انكسار حلم الثورة الوردي بسبب برجماتية الاخوان وانتهازيتهم، وسفالة ووضاعة المنتسبين -زورا- الي السلف، وبعدما فرضه العسكر من طغيان وتجبر علي المشهد سواء في فترة حكمه الاولي او الثانية، وبعدما مارست الاحزاب والحركات والطوائف السياسية -الا فيما ندر- دورها في العمالة علي الوجه الذي ينبغي..
وجد الشباب -غير المنتمي- نفسه في مواجهة نفسه،
بلا عزاء.. وبلا شيء يتستر وراءه..
كل مكاسبنا -الصغيرة- من ثورة يناير العظيمة قد ذهبت أدراج الريح..
ولطالما اعتقدتُ أن الربح الاكبر الذي خرجنا به من (يناير) هو إعادة ثقة الشباب بأنفسهم، ومعرفة حدود قدراتهم الجبارة التي لا يمكن أن يقف أمامها شيء..
لكن هذه الموجة الجارفة من الحماس لم تزل تتلاشي شيئا فشيئا، حتي لم يبق منها سوي رذاذ خفيف يعلو انين وجعه كلما نضحته في وجهنا ريح الشمال.
اننا -وبعدما وأدت ثورة يناير العظيمة- نخسر علي جميع المستويات..العقدية..
والسياسية..والاجتماعية..والانسانية..والثقافية..وفي كل ميدان.
حالة من الانكسار التام التي تشابه حالة الستينيات أو ربما أسوأ..فحينها كان العدو واضحا محدود المعالم، اما اليوم فكل شيء مختلط.
لقد ضاع مع ضياع هذه الثورة حلمنا في وطن نعيش فيه ويعيش فينا..وطن نحمله في القلب ونراه كل صباح مرفوع الرأس موفور الجبين، لا موضع فيه لظلم او جور.
وطن ينتصف فيه المظلوم من الظالم، والضعيف من القوي، والفقير من الغني.
لوهلة خيل الينا اننا أخيراً سنحصلُ علي مستوي تعليمي وصحي ومعيشي وأنساني راقٍ..
وأننا سنشهد بأنفسنا مصارع الطغاة..واندحار دولتهم القمعية ونظامهم الجائر..
واننا -حين ننجب اطفالا- فسيكون لنا الكثير من القصص التي نرويها عن جهدنا وجهادنا كي نورّثهم وطنا جديرا بهم وبما سوف يحلمون.
لكن تلك الخيالات الآن اضحت بالنسبة لأذهننا شيئا غريبا وعجيبا..
اساطيرا من الحلم سوف نضمها الي حكايا الغيلان وعنقاءات مغرب.
إننا -وبلا شك- أسوأ الأجيال حظاً..
مَنْ قبلَنا غارقون في التعصب والجهل من الوريد للوريد،
ومَنْ بعدنا متشبعون بالتفاهة والهراء من العظم للعظم،
وفي العراء نقف نحن..مجردون من كل شييء..وأي شييء.!
فلا الواقع يمد لنا اليد متقبلا، ولا الماضي يكف عن تقريعنا وجدلنا بسياط التذكار،
ولا المستقبل يتوقف -ولو للحظات- عن إثارة فزعنا وترويعنا
وإيقاظ أبشع المخاوف الكامنة فينا.
اننا جيل كتب عليه أن يشاهد بنفسه كتب التاريخ حيّة بين يديه دون ان يدري ما الذي يتوجب عليه فعله..!
كل التواريخ الماضية والاحداث المعلّبة في كتب التراث تتناثر بين أيدينا يوميا غير عالمين كي نحسن التصرف..

وفي كل اطراقة غيم يترآي لنواظرنا ما خلّفناه ورائنا من دماء وجحيم وصراخ..
في اليمن..وفي الشام..وفي جزيرة العرب..
وفي أراضي البلوش..وجبال القوقاز..
في أفريقيا وشبه القارة الهندية..وفي كل مكان
علي امتداد الخريطة من أقصاها إلي أقصاها.
وخلف هذا الجدار من القسوة والظلم نقف مكبلين مقيدين يغلّنا الحديد..والهوان.

 ونبقي الدهرَ داخل غرفنا وامام شاشات اجهزتنا نلوك الصمت..والعجز،
وندير اعيننا فيما حولنا بحثا عن ميدان واحد كي ننتصر فيه علي عجزنا..وضعفنا..وهواننا..
لكنْ بصرنا يرتد -في كل مرة- وهو حسير.!
انهم -جميعا- يُلْقُونَ علي عاتقنا مهمة انقاذ السفينه من الغرق..
لكن مالا يعلمونه هو ان السفينة قد غرقت فعلا!،
المقتدرون سرقوا منها قوارب النجاة وفروا،
وبقينا نحن نحاول جاهدين أن نعثر علي قطعة خشب طافية نجد فوقها
بعض الامن والسكون -ولو الي حين-.
قطعة الخشب هذه قد تكون في حسّ بعضنا أموالا مكدّسة..
وفي حسّ البعض الآخر جاهاً ونفوذاً وسطوة..
بينما هي عند القسم الثالث حبا..
فنحن -علي الارجح- نبحث عن الحب لنجد فيه ذاتيتنا..و نحاول جاهدين أن نعوّض هزائمنا الكبيرة بحب كبير..ونحاول أكثر أن نغض الطرف عن تيْهنا المبالغ فيه بقِبْلة تترصدها خطانا.
لعل هذا هو التفسير الوحيد لحالة الشجن المبالغ فيها التي تجتاح شباب وفتيايات هذه الايام،
فهي حالة (سيكولوجية) بامتياز.
وإن الهروب الي الحب..هو هروب رد الفعل لا الفعل..
لكنه يبقي -برغم كل شيء- هروبا..
الهروب الي الحب كالهروب الي المخدر..والي الضياع..والي أحضان البحر بحثا عن سراب الهجرة..
كلها طرقا جانبية نتواري فيها عن قسوة واقعنا بكل ما فيه.
وعن فشلنا في خلق واقع جديد يناسبنا للعيش فيه.
ثم لا نعدم بعد ذلك كله من يصبّ علي رأسنا اللوم متهما إيانا بكل نقيصة.!
متناسٍ أنهم الآخرون دائما..
فإن اردتم ان تحاكموا أحدا..
وإن أردتم أن تدينوا أحدا..
أو أن تبحثوا عمن تحملونه هذه التركة الثقيلة والارث الثقيل
فدونكم أنفسكم يا معاشر الاجيال السابقة..
فلتحاكموها أولا أمام ضمائركم،
ثم لتكونوا شجعانا مرة يا جبناء العمر ولتعلنوا تنحيكم عن كل شيء..
لتعلنوا ان الظلمة هم أنتم، وأن الطغاة هم أنتم، وأن الجهلة والمغيبين
والمحملين بكل نقيصة وخصلة سوء هم أنتم..
وأنكم السبب الرئيس في كل ما وصلنا اليه.
ولتدعوا جيلي وشأنه، فحسبنا ما نحن فيه..
وحسبنا انكسار الحلم،
وموت الأمل،
فلنا الله..
لنا الله.

السبت، 15 فبراير 2014

شرف الكلمة النازف.! /مقال.


لا أحد يعلم يقينا متي يكتب..
انك لا تحضر اقلامك ثم تبرق عيناك في شراسة طالبا من الحضور أن يصمتوا لأنك ستكتب الآن..

هذا مستحيل.. لأن الكتابة أمر غيبي تماما..
طوال تجاربي الماضية كنت أبدأ الخطوة الاولي دون أن أعلم الي أين سينتهي المسير..
بل احيانا كنت اكتب صفحة كاملة غير عالم تحت اي تصنيف سأضع هذا المولود النثري الجديد..خاطره..مقاله..قصة قصيرة..الخ..؟
ان الكاتب علي صفحات الورق تائه تماما..بلا بوصلة أو جهاز تحديد مواقع..
وهذا ربما أكثر ما يجعل للكتابة أهمية..وقيمة..
ويجعل منها تجربة ثرية ومثيرة ومدهشة للكاتب نفسه قبل أي أحد.
وإن الكاتب -أي كاتب- يتعمل مع الافكار كتعاملك مع زملاء الدراسة في أول يوم ذهبت فيه الي المدرسه..تري أمامك وجوها كثيرا مختلفة..متناقضة..متباينة..
فتدير وجهك فيهم غير عالم ايا منهم قد كتب لك القدر أن تصادقه..أو تعاديه..
قديما تحدثوا عن الوحي الشعري..عن الالهام النثري..وربما علي هذا الضوء وحده يمكن لنا ان نفهم شيئا عن ماهية الكتابة..وجوهرها.
انها عمل ميتافيزيقي بامتياز..لا اتحدث هنا عن الكتابات التقليدية المملة..او الكتابات الاكاديمية المرسومة الخطوات..انما تحدث عن الكتابة التي تشبه الابحار في اعماق المحيط..وحيدا..بلا هدف ما..
عن الكتابة التي تشبه السير في أدغال افريقيا بلا دليل..ولا وجهة محددة..
وفي جميع الحالات ربما ينتظرك المجد كل المجد..أو ربما هو الموت ولا شيء غير.
يقول احد قدامي النقاد ان الشاعر/الاديب كان عند عرب الجاهلية بمنزلة النبي عند سائر الامم، وكانوا يحيطون هذا المنصب الفكري -ان صح التعبير- بشيء من القداسة وربما من الاسطورية التي تضفي علي صاحبها الكثير والكثير.
وكان العرب بشكل عام يفهمون جيدا حدود الابداع، ويحسنون التفرقة والتمييز بين ماهو جيد وما هو رديء..وكان العربي علي أتم الاستعداد أن ينافق في كل شيء -حتي الدين ووجود الله ذاته- لكنه لا يسمح لنفسه للحظة أن تبخس الابداع الفني قدره أو تحط من منزلته.
حينما سمع الوليد ابن المغيرة رسول الله يتلو بعض آيات من القرآن لم يتمالك نفسه أمام هذه المعجزة البيانية الخالدة..وانطلق لسانه يملأ الكون مديحا وثناءا.
كل هذا بينما هو كافر لا يتمني اكثر من أن تشرق شمس اليوم التالي ومحمدا علي غير قائمة الاحياء.
وحين سمع أحد أتباع مسيلمة هذا الكاذب يتلو بعضا من أكاذيبه وتلفيقاته الفنية أعلن في اشمئزاز أن بصاق الطير أفضل من هذا الكلام..
كل هذا وهو من أصفي أصفياء مسيلمة ومن أخلص أتباعه.
لكن هذه الامة تقدس حقا -بعد الله- لغتها، وكان العربي الذي لا يملك من الدنيا شيئا ناقدا وشاعرا وأديبا بالسليقة..
وكان يفترض أن تحافظ هذه الامة علي تراثها اللغوي والفني سليما من العبث علي مدار الاجيال، لكن الحرب الثقافية كانت هائلة، والاغارة علي الهوية والثقافة الحقة كانت قوية شديدة المراس..
ولقد استهدفت هذه الحرب أول ما استهدفت الذوق..لأن الذائقة هي المدخل الحقيقي لكل عمل فني، وكانت وسيلتهم لذلك هي الدفع بالمواهب الميتة كي تطفو علي السطح..علي أمل أن تفسد رائحة الجيف النتنة حاسة التذوق لدي الجمهور فيصبح أعمي..
فظهرت علي السطح -قديما- أشكالا فنية وتجارب شعرية ونثرية كان الاولي بها أن تستخدم كطلاسم لاستدعاء الجن أو محاولات إحياء الموتي، وكان مكانها الطبيعي ان توضع في المتاحف بجوار المومياوات باعتبارها لفائف أثرية وجدت بداخل تجاويفهم غير مفهومة الهدف والغاية.
وحين تنبه رواد الشرق في العصر الحديث الي أن الأمة التي أخرجت للدنيا امريء القيس والنابغة والاعشي والمتنبي وأبي تمام والبحتري لا يليق بها أن تنجرف في مهاوي التيه أكثر، وأنه قد آن الاوان أن تسترد شيئا من عز مجدها الغابر وفنها التليد، بدأت اولي المحاولات للسباحة ضد تيار الركود والجهل الفني والوضاعة الادبية التي سادت خلال فترات الحكم العثماني وما تلاها، بدأت علي يد الشيخ الساعاتي ثم البارودي فشوقي فحافظ فإسماعيل صبري...الخ..، وطالت القائمة لينضم اليها أفذاذا من كل قطر..علي اختلاف في أديناهم وأيدلوجياتهم وثقافاتهم..لكن كانت تجمعهم جميعا رابطة اللغة التي وحدت الافكار ونقلتها نقلة بعيدة.
ومثلما كان في القديم لم تعجب تلك النهضة الادبية واللغوية الكثيرين..فعادت الحرب الشرسة من جديد..من الخارج حينا ومن الداخل في أكثر الاحيان، لدرجة أن لطفي السيد  دعا الي استبدال الاحرف العربية بالاحرف اللاتينة توهما أنها الاقدر علي التعبير عما يختلج في جنبات النفس..وعلي الطريق ذاته تبعه الكثيرين..وعلي رأسهم موسي صبري، ولويس عوض وآخرين.
لكن حركة الابداع لم تتوقف طويلا عند هؤلاء..بل زادت من سرعة سباحتها ضد التيار، قاطعة مسافات شاسعة أرست من خلالها العديد من مباديء الفن، وعملت علي نقل الذائقة نقلة بعيدة في سماء الجمال.
وحين أدرك العابثون أن محاولات حرب هذه اللغة من خلال الدعوة الي محاربة اللغة نفسها لن تجدي نفعا، عادوا لذات المحاولات القديمة..محاولة اعلاء الجيف كي تنمو علي السطح..وتتنتشر..وتتكاثر..آملين في تكون رأي شعبي يساند هذه الجيف ويعطرها بما يسمح لها بالسيادة..والبقاء رغما عن كل قوانين الحياة..
فامتلأت الساحة بأشكال عديدة بحاجة الي درزينة من العلماء كي يقوموا بتصنيفها التصنيف الذي يكشف عنها ويضعها في مقامها الصحيح بين مراتب الأحياء..
أو الموتي..
وإن ما نعايشه الان من ظواهر التردي الفني -علي جميع المستويات- لهي خير دليل علي هذا.

وإن أشرّ ما يجنيه أحدنا هو أن يري القشة في عين أخيه ويتعامي عن رؤية الجذع في عينه.
فهذه اللغة بحاجة الي بعض الفداء والتضحية منا كي يُنقي جوها من ظاهرة الاحتباس الفني والجمالي الذي تعانيه..
ولربما نحن السبب..ومن يجب عليه أن يتخذ الخطوة الأولي في هذا الطريق..
لربما..من يدري..؟!



محمود15/2/2014


الاثنين، 13 يناير 2014

الموت بالجملة..وبالمجان..!



بت الان مقتنعا كل الاقتناع إنها لحماقة بالغة ان تبدأ حربا دون ان تملك القدرة علي انهائها لصالحك،
ولا تحدثني عن ضرورة المقاومة لا لشيء الا لتقلق منام الطغاة،
فليس أسهل من أن يصدر الطاغية المقلوق منامه امرا باعدام كل نوام البلد، ومن يغفوا فوق ثراها المبلل بالوسن.
ولئن كنت لا تملك حقا طريقة اكيدة وفعالة لقتل طاغية ما والخلاص منه،فلا تحاول حتي مجرد التفكير في أن تتحرش به..
حكايا التاريخ عن نهايات المتحرشين الضعفاء، او المتهورين، او المحتمسين اكثر مما ينبغي ليست بالشيء المستحب ذكره أمام النساء الرقيقات.
وانها لقسوة بالغة ان تلقم تنّور الحرب ما يزيده اشتعالا، دون ان تفكر للحظة في اولئك الابرياء الذين سيكتوون بهذه النار وتحرقهم شظاياها..
كل حكام الارض وطغاتها يملكون ما يدافعون به عن انفسهم، ولديهم الكثير والكثير من البيادق التي يمكنهم الدفع بها علي رقعة الشطرنج 
لتطويل فترة حكمهم اكثر واكثر..
وانت في المقابل تملك - علي الارجح- ما تدفع به عن نفسك عادية الموت..
وبينكما..بين فكيكما وأنيابكما تنام غالبية عظمي من الضعفاء واليتامي والارامل والصغار واصحاب الحاجات وذوي العاهات
مما لا يملك احدهم من امره شيئا..
هم بالنسبة للجميع ليسوا اكثر من ارقام..مات اليوم عشرون مدنيا هنا..وخمسون هناك..اضحي هذا خبرا تقليديا مملا لدرجة انه لم يعد يثير حميّة احد او اهتمامه.
ان كل حرية الارض في نظري ليست تساوي صرخة خائف، او دمعة مضطربة،
او رجفة طفل صغير..
كل ما يتشدق به الثوار ويحلمون..وكل ما يَعدُ به الطغاة ويبشرون،
شيء تافه تافه لو قورن بالاطراف المبتورة، والاعين المسمولة،
والاحشاء المبقورة،وانهار الدم والدموع التي يستحم فيها الظلم
عاريا متبجحا لا يستر سوءته شيء.
ان للحرية ثمنها الباهظ بلا شك..لكن ابسط مباديء العقل تقول ان دفع الثمن انما هو منوط بالقادرين وحسب..(لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وحين تتحدث عن التضحية فتحدث بلسانك انت..غالبية الجماهير لا تملك ما تدفعه حقا..
وانها لراضية بما هي فيهمن سحق وقمع وظلم 
لانه لابديل امامها..
ليس في ايديها ما تعطيه فلا ترغمها علي بيع ملابسها ورهن عفتها وكرامتها،
والبقية الباقية لها من فضلة الامان في مقابل وعد غير محسوب..
وعد يوتيوبي يصلح اكثر مما يصلح لخاتمة القصص، لا لعالم تتحكم فيه
وحوش آدمية ذات أنياب ومخالب.
هذ التشرد والتشتت والتمزق في ربوع الارض..حيث يُقفل في وجه هذه القطعان الهائمة كل باب..ويوصد أمامهم كل سبيل..
صكُّ الموت الذي اضحي يوزع بالمجان صباح مساء..
هذه الفاتورة الباهظة من الدماء والغضب والقهر والكبت وفقدان الاهل والاحبة من يدفعها..؟ 
من يتولي كبرها..ويباشر عملية تسديدها...؟
ان الطاغية لن يفعل حتما..ولاأنت علي الارجح..وحتي لو فعلت..لو قدمت روحك نفسها فهل تراك هكذا جازيت من فقدوا ارضهم وديارهم واموالهم وفلذات اكبادهم..؟
اتري روحك تعزي هؤلاء المذبحين من العظم إلي العظم..
اتراها تفك اسر المعتقلين من الوريد للوريد..؟
تسألني ما الحل..؟ ما الخيار..؟
اقول لك ان الصعلكة ليست لعبة..والتمرد ليس شيئا هينا نجربه..انها حماقة تامة. والقاعدة في الحماقات ألا تبدأها ما دمت لا تثق في نتيجتها.
فقط يجوز لك ان تجازف -كيفما تريد- في الحماقات الشخصية التي لا يتعدي أثرها غيرك..اما حماقة تجر في ذيلها نهاية شعب..
وتضع في قاموسها تشريدة وتجويعة وابادته..
فليس من حقك ولا من سلطتك ان تفكر حتي.
ان المقاومة في جوهرها في طريقة لانتزاع مساحة اكبر من الخير والعدل والحق..والطريق الي هذه الفضائل الثلاث لا يمر حتما عبر جماجم الابرياء او جدائل الفتيات الصغيرات..وانما يمر عبر رؤس الطغاة والمتجبرين.
أكره ان يتم الزج بالحملان في الصراع ما بين الاسود والذئاب..
وكان يتعين علي الطرف المقاوم ان يضع في اعتباره خسة العدو،
ووضاعته، ووحشيته التي ستعمل حيوانيتها وانيابها حتما في لحوم هذه الحملان البريئة.
من لا يفقه من القرآن غير (واغلظ عليهم) ولا يحفظ من السنة غير (بعثت بالسيف) لهو أول من يحتاج الي (الغلظة عليه) و إعمال السيف في تلافيف مخه المتحجرة.
وهو -بهذا التحجر- لا يفرق كثيرا عن ذلك الذي لا يحفظ من القرآن الا (لكم دينكم ولي دين) ولا يدري عن السنة الا (من قال لا اله الا الله دخل الجنة)..
كلا العقلين يحتاج الي ما هو أكثر من حمض كبريتيك مركز لتنظيفه..
الدين لم يكن في يوم ما سيفا مصلتا فقط..
ولم يكن في يوم ما آخر درويشا متنسكا يقتات الخبز علي ابواب البارات ومتعهدي نقل الخمور..
الدين خريطة اختطتها لنا السماء كي نسير ما بين المستنقعات فلا ننزلق..كي نركب البحر فلا تتلقفنا اسماك القرش وحيتان (الفك المفترس).
الدين ليس مغامرة..ولا مخاطرة..ولم يجيء يوما ليزيد الانسان شقاءا علي شقائة، أويحمله اثقالا فوق أثقاله (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي).
والمقاومة ليست بمنأي عن ذلك السياق..
ولهي في سويداء القلب وأغلي من أهداب العين..
لكنني أرفضها -في بعض الاحيان- كوسيلة خلاص تامة حين تشعل النار في فناء بيت الظالم -بحسن نية- دون ان تفكر في احتمالات اتجاه الريح،
وانها ربما تدور بين ثانية واخري لتحرق الأشجار والغابات وأعشاش الطيور.
المقاومة لا تنبعث الا من موطن قوة..وبحسابات دقيقة..وبعد إعداد العدة لكل شيء -قدر الامكان- (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (خذوا حذركم)
(يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) ،
أما مقاومة الهوجلة..والارتجال..والفرصة السانحة..وتعريض حياة ومستقبل شعب بأكمله للضياع..وجعله كريشة في مهب الريح دون ان تمتلك القدرة علي معرفة اتجاه هذه الريح وسرعتها وما تحمله من امطار وعواصف ورعود..
فلهي تجربة أقل ما توصف به انها جنين مبتسر مبتور الاطراف.
- تقول إنه جهد المُقلُّ..وانك فعلت ما تستطيع...؟
حسنا...لو كنت تعتقد الان انك انتصرت او انك في طريقك الي النصر
فتلك مشكلتك وحدك..
ولو كنت تري حجم الكارثة المهول، ولو كان يترآي لك من بعيد نهاية محيط الدم الذي غرقنا فيه كما يترآي لي، ولو دار في خاطرك للحظة مقدار الدمار
والخراب والحزن والوجع والقهر والالم القابع بداخل كل نفس،
 المتردد صداه مع كل دمعة او شهقة..
فاسمح لي أن أخبرك ان احدا لم يطالبك يوما بان تكون حامي الذمار..
فان ابتدرت انت نفسك لمقام كهذا فكان يجدر بك ان تسألها اولا:
هل أنا جدير بما سوف اقوم به...؟
وهل أبصر موضع خطوي بحيث لن اتعثر...؟
وهل أعددت ما يكفي من العدة..؟
فأن كان الجواب لا، فاسترح..فلربما أمطرت السماء بعد الف عام صيباً رضع مائه جيش من الاطفال الذين أعدّتهم الاقدار ليقودوا هذه المهمة وينجزونها بشكل أفضل.
أما أنت فليس من حقك مطلقا ان تأخذ معك باب البيت ساترا لتحارب به -حربا مشروعة- بينما تترك أهل البيت أنفسهم بلا مأوي..
نهبا للإعتقال..والضياع..والتشرد بلا حاضن الا غياهب القبور والأكفان.
انني حين أرفع (كلاشينكوف) في وجه راجمة صواريخ فليست هذه بطولة مطلقا الا في حالة واحدة هي أن أكون وحيدا..أتحمل تبعة أفعالي وما أقدم عليه.
أما حين أعرض من معي لغضبة الرواجم دون أن يكون معي ما يصد، ودون أن أكفل لهم الحماية اللازمة فهذا إجرام في حق الغير..وليس لي أن أُقْدم علي أمر كهذا.
وإني لأتمني أن يعلم كل الابطال والمناضلين والمقاومين والثوريين من المحيط الي الخليج..أنه ليست القناعات وحدها..وليست النية الصالحة بمفردها..وليس الأمل مجردا هو ما يبني الي النصر طريقا...
وهذه الثورات -مع بالغ الأسف الشديد- كان مقابلها باهظا جدا..باهظا الي درجة تعبت معها العذاري وأنّت النطف في الأرحام..
ويا لكم يؤسفني ان القليل الذي اكتسبناه منها قد ذهب أدراج الرياح..
ولم يبق لنا من ذكراها الا صور الدماء والدموع..
والدموع والدماء..
والندم.


(حاشية تافهة)

مات اليوم في مصر 5
وفي ليبيا 10
وفي السودان 20
وفي العراق 30
وفي اليمن 40
وفي القوقاز 50
وفي الصومال 60
وفي باكستان 70

وفي بورما 80
وفي أفغانستان 90
وفي الشام 100


(حاشية أخري تافهة)
الحفريات تحت المسجد الاقصي تبلغ أعمق
حد يمكن للأساس احتماله، مما يجعل من سقوطه
شيئا مؤكدا بعد ضربة المعول التالية.

(حاشية مهمة)

بدء افتتاح الدوري الموريتاني بدءا من الخميس المقبل
وسط احتفال جماهيري كبير يحضره مندوب
عن رئاسة الجمهورية والحكومة.

السبت، 4 يناير 2014

الي صديق غاضب..


أنا لست بالشخص المهم علي الإطلاق..
أعرف هذا وأستمتع به أيما استمتاع.
لقد شبعت من الشهرة والأضواء، ولقد نلت منهما -علي صغر سني- ما يرضي غروري ولست أطمع في المزيد.
وأعرف كذلك أيضا أنني قد تجاوزت تلك المرحلة التي يظهر فيها علي صفحة 
وجهي ما هو مخبوء هنالك في أعمق الأعماق.
فقديما كانت وجوهنا -وقلوبنا- مرآة بالغة النضارة والنقاء، ثم رويدا رويدا بدأ سطح المرآة هذه تتوالي عليه الخدوش وتتسابق، حتي استحال في النهاية
معتما من الصعوبة بمكان اكتشاف ما يدور تحته.
إن ظهور ما بداخلنا علي قسمات وجوهنا يحتاج الي قدر عظيم من الترف
والبراءة والطهر والنقاء الروحي الذين لم يعودوا متاحين لي مع الاسف.
ولهذا ربما كان ما بداخلي يرتجف بردا..وقلقا..وتوترا..وانفعالا..
بينما لا تعبر ملامحي الخارجية عن شيء من ذلك كله.
ربما كنت في أعمق أعماقي فرحا مسرورا تتواثب كل خلاياي الداخلية فرحا
وتتقافز نشوي، بينما لا يُنبيء وصفي الخارجي عن شيء 
-باستثناء لمعة تشتعل زهرتها في عينيّ لثوان لا يتبينها الا لصقاء الروح..والقلب-.
كل ذلك لا ينفي تأثري..وربما احتراقي من الوريد للوريد بما يدور حولي..غير أن أثر ذلك كله يبقي مخبوءا عميقا هناك في محيط خلاياي ولا يظهر أثر منه علي سطح الموج.
عاصرت تغيري هذا من فترة ورضيتُ به إذ وجدته يوفر عليّ الكثير، 
ويكسبني -ربما- شيئا من الأهمية والغموض، إضافة إلي كونه -وهذا هو المهم-
يعفيني من انسكاب مشاعري علي الملأ،ويُبقي ورقة توت أخيرة تستر عواطفي
وأحاسيسي عن التعري والوضوح أمام كل أحد.
- هذه المقدمة -المملة نوعا، فكل حديث عن النفس ممل الي الغير- كتبتها لذلك الصديق 
الغاضب -العزيز جدا علي قلبي جدا- والذي قامر بارسال رسالة طويلة يعاتبني 
فيها ويتعجب من تغيري وانصرافي الفترة الماضية عن الحديث فيما يخص الشأن العام، وفيما تدور رحاه علي ظهر الحياة، وعن تحول معظم ما ينشر لي في الفترة الأخيرة إلي حديث عن الحب..والحياة.
وهو لا يري لذلك كله تبريرا إلا انصرافي عن نفسي الماضية..وبعدا عن
معتقداتي السابقة.
(أنت تغيرت)..يقولها في خطابه بكل حسم.
وهذا الصديق العزيز -علي ما يمتلك من نباهة وذكاء- فاته أن الروح تهرمُ
كما الجسد،وأنها تمر بالأطوار ذاتها التي تمر بها أي زهرة تستنبتها مروج
غرناطة الناضرة، ففي طورها الاول -طور الترعرع والنمو- تبدأ الزهرة في 
التعرف علي كل ما يحيط بها من مفردات وما تشتمل عليه هي من مكونات..
وتبدأ في عقد الصداقات مع الفراشات وأسراب النحل والعصافير الملونة
وقطرات الندي والمطر وحتي حبوب اللقاح.
وفي طورها الثاني -طور الفتوة العاطرة- لا تكف الزهرة عن (جرّ شكل)
كل ما يحيط بها، وتبدأ صراعات شتي لا تنتهي بينها وبين العواصف والرعود
التي تقلق منامها، وهمجية الأيدي التي تبغي اسقاطها عن عرش الجمال.
وبعد ذلك تدخل الزهرة طورها الثالث من الحياة..حيث رأت كل شيء،
وسمعت كل شيء، وعاصرت أيضا كل شيء.
سمعت ثناءا لا يعد ولا يحصي عن جمالها وعذوبة عطرها، صادقات كائنات
لا أول لها ولا آخر، وخاضت حروبا وصراعات لا تعد ولا تحصي..
هي الآن زهرة حبلي بالحياة ذاتها..بكل تنوعها وتناقضها وثراءها..
فلم يعد يثير دهشتها شيء.
بقاءها حتي ميلاد الربيع القادم، او احتضارها الآن مع هذا الشتاء الذي
 يلفظ أنفاسه الأخيرة لم يعودا يعنيان في حسِّها الكثير.
وأنا يا صديقي -إن سمح لي الوصف- زهرة في طورها الأخير..
ممثلٌ قضي نصف عمره علي المسرح يغني للجمهور..ويطربهم..ويخلب لبهم..
ثم نزل الدرج القصير وجلس هناك في آخر مقاعد المتفرجين -يغطي الظلام نصف وجهه- يحدّ النظر ليشاهد من أتوا بعده..
يراهم يمثلون بذات الأسلوب..يغنون بنفس الطريقة، ويوقّعون علي الألحان ذاتها..
ويؤدون نفس الحركات التي لطالما برع في تأديتها..
لهذا ينبهر جميع من في المسرح..تتعالي الصافرات الحماسية من كل مكان..تلتهب الأيدي بالتصفيق الحاد..
أما هو فتمثال شمعي جالس علي مقعد من ملل..من رتابة يخالطها بعض الفتور والإشمئزاز.!
إنه -وحيدا في مقعده- ينتقد..ويحلل..ويفكر..ويقيس..ويُعجب..ويسخط..ويحب..
ويكره..، لكن ذلك كله في عالمه الداخلي المواز للعالم الخارجي الصاخب.
وكل هذا الثراء الداخلي يقابله -في الخارج- ربما تعبيرا بسيطا 
قد لا يثير اهتمام أحد أو انتباهه، لكنه -بما يحمله من رمزية-
قد يعني الكثير والكثير.
- أسمعك تتسائل: هذا الثراء الداخلي، وذلك العالم الرحب الواسع المتباعد 
بين جانبيك -علي فرض وجوده- لمن يُخبيء..؟
لماذا لا يري النور، ويستنشق معنا روائحه كل صباح..؟
ودعني أصارحك يا صديقي فأقول: إن من أحرقت الكتابة شمعة عمره..
من جرب لسعاتها..ولوّث رمادها يديه وملابسه..
من فنَي فيها وذابت هي فيه..ليس يري في الدنيا أغلي منها ولا أثمن.
إن الكتابة كالحب الأول..تجربة غرقنا فيها حتي النخاع ولم نستطع الفرار يوما،
كل منهما أخذ منّا مشاعرنا الأولي..ونشوتنا الأولي..وفرحنا الأول..
..وأورثنا -في المقابل- وجعا مراً لا تخبو مشاعله يطاردنا في كل آن.
لهذا يضنّ أحدنا أحيانا بما يكتب -حتي ولو لم يكن كاتبا اسطوريا-
لعلمه أن هذا الكلام سوف تسفّه الريح، ولن يجد له وطنا خصبا يحتضن
نبتته الأولي ويهبه من فيه قُبلة الحياة.
نضنّ بما نكتب بنفس منطق ذلك الشاعر القديم -ذي الفرائد الجيائد-
الذي لم يجد يوما من يستمع إليه ويقدر ما يكتب، والذي أحاطته 
الصحراء من كل جانب -ككابوس لا يتغير- وكلما جال ببصره
فيما حوله راعته اجتماعات الحجارة الصماء،وموائد الكثبان الرملية
تستضيف الريح، وقطعان الأغنام ورعاتها تبدوا هنا وهناك..
ولا شيء بعدُ.
ولابد أنه أطال النظر في واقعه،ثم تنهد في حسرة قائلا:

( أَأَنثُرُ دُرّاً بَينَ سارِحَةِ النعَم ..  وأَنظمُ مَنثوراً لِراعِيَةِ الغَنَم! )

نضنّ بما نكتب بنفس منطق عليّ -رضي الله عنه- حينما سأله أحدهم 
عن رأيه في مسألة ما، فرفض الإجابة قائلا:
(لا رأي لمن لا يطاع)ونحن يا صديقي ليس لنا من مطيع..فلا جدوي إذن أن نكتب في موارد الصراع،
وثق أنه لن يغير رأينا شيئا..
فنحن سقط المتاع الذي رفضت الكتابة أن تحمله معها في رحلتها الأزلية،
والذي رفض الحب أن يبقينا بداخل أسواره السحرية طويلا،
ولم تهتم الآذان بالاستماع الي أغانيه الحزينة مدة أطول.
نحن المولودون من رحم الشقاء..الغرباء الأبديون الذين كتب عليهم
أن يقطعوا السفر الطويل وليس في أيديهم سوي قلم نازف الحبر
مغبر الشفاه.
لهذا فلا تطالبني بالكتابة عما يدور يا صديق..في هذا المناخ الموبوء
حيث الكل يفتي..والكل يهاجم..والكل يدلّ ببضاعته المزجاة.
لا تطالبني بشيء حيث تحولت الأظافر الي خناجر..
والحوارات العادية الي مهارشات ديوك،
وأي محاولة لتوضيح وجهة النظر هي تذكرة دخول بلا عودة الي حرب عالمية ثالثه.
إن ضحالة الفهم وسوء النية هي العملة الرائجة في هذا الزمان.
ولعلني لا أفشي سرا حين أقول لك إن دُرج مكتبي يحتوي علي 
ثلاثين عملا أدبيا ما بين مقالة وقصيدة وخاطرة وقصة قصير، إضافة 
إلي مسودات رواية طويلة..كلها لم تر النور بعد..
ولست أظنها -مع بالغ الأسف- ستراه..!
أتدري لماذا..؟
لأنها ستُفهم خطأ..وستُحمل ألف محمل كل منهم أسوأ نظرا من الآخر.
وحينها ستنهال القوارع فوق رأسي..وسأرمي بأبشع التهم وأحطّها.
وسيستنكر الجميع أن يصدر هذا مني..!
ولعلني أتحمل جزءا من ذلك كله حين وضعت نفسي -ومنذ البداية- داخل
خطوات محددة مسبقة، (تابو مقدس) لا يحقّ لي الخروج عنه، وكلما 
حاولت تعالي الصياح: أنت مجنون..هذا لا يليق بك.!
ولأخبرك -يا صديقي- إن أكثر ما يقتل المبدع فينا هو أن تحدّه بحدود..
أن تضعه بداخل قفص -حتي لو كان ذهبيا- وتطلب منه أن يغرّد 
ويملأ الدنيا نغمْ.
لهذا ابتدأت في فعل ما أخذته عليّ..وأخذت أنشر عن الحب..عن الأمل..
عن الحياة..وعن كل ما عزلته عني القوانين،
ونفتني عنه الأعراف والتقاليد.
إنني رجل -يا صديقي- ليس يصلح أن يكون غير نفسه..عصيّ علي
التشكل والصبّ في قوالب معدةّ، حريتي -كما يقول درويش- هي
أن أكون كما أريد، لا كما يريد لي الآخرون أن أكون.
- في خطابك - المتنمرالغاضب- ذكرت شيئا عن كوني (كنتُ) قدوة لك.
وأني -وإن كنت لا أري نفسي أصلح قدوة لأحد- لأرفض -وبكل إباء-
هذه القدوة أن كانت ستُكبلني، وأن كانت ستظهرني أمامك 
بوجه مستعار..بثياب المسرح التي أكرهها، والتي يتحتم عليّ
ارتدائها فقط لأنها تناسب الدور المراد.
ولست أظنك -بعد ذلك وقبله- ترتضي لنفسك قدوة لا تعيش بساطتها..
قدوة تمتهن التمثيل وتحترف التزوير والتقمص.
إنني (لبلابة) يا صديقي..لبلابة ترفض أن يحدد لها أحد مسارها..
دعني علي حريتي..أتسلق الحوائط..وأعتلي النوافذ..
وأمازح العصافير..وآخذ شجيرة الليمون القريبة في حضني
بلا خوف أو وجل.
وإني لأرفض رفضا صارما تلك الخيوط التي زرعتها في الجو
من أجلي كي أتسلق عليها..إنني أأباها..وأأبي أن تكون لي
بيتا أسكنه.
إن الحياة -أيها الصديق الغاضب- إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء..
هذا قدر الحياة..وقدري أنا أيضا.
ضع صورتي في ذاكرتك -كما تشاء- بداخل ذلك الإطار المذهب الجميل،
وتخيلني -كما تريد- شفافا وضّاءا لا أُخطيء أبدا،
وشاهدني -في حلمك كل ليلة- وردة أخيرة عاطرة في دوح مقفر..
فلست أنا ذلك كله..
لست ذلك الملاك الذي يرفّ بجناحيه الأبيضين علي ذهنك..
أنا بشريّ..ينطبق عليه كل ما ينطبق علي البشر..وله كل ما للبشر من محاسن ومساويء..
بشري يؤمن..ويشك..
يحب..ويكره..
يفرح..ويحزن..
يضحك..ويبكي..
يصيب حينا..ويخطيء في أحايين كثيرة..
لي أحلامي..وآمالي..وما أفتخر به،
ولي أيضا مواجعي الكبري التي لا تنتهي.

بشريّ..فلا تضع بشريتي في كفّة وحبنا وصداقتنا في الكفة الأخري،
ولا تضطرني للإختيار بينكما.
بشريّ..فاقبل هذا..أو فارفضهْ،
أما أنا فلا حيلة لي في رفضه.. فليس يهرب من قدره أحد..
غير أني -وقد نزلت في خيالك من قدس الأقداس الي أرض الأشباه والصور-
كل ما يمكن لي فعله هو أن أعدك أنني سأحاول جاهدا أن أكون
بشريا طيبا..
بشريا من النوع الذي ينبض بين ضلوعه شيئا اصطلحنا نحن البشر
يوما علي تسميته بـ(القلب)..
وكلي رجاء ألا أخذلك يوما.
فلتغـــــــفِرْ.

المحبّ لك دائما
محمود
4/10/2014






الاثنين، 30 ديسمبر 2013

ولهذا أستقيل..!


انتهيت للتو من قراءة كتاب -لمفكر عبري- عن التسليح وموارده، يورد فيه المؤلف إحصائية موثقة مفادها: أنه لو افترض ووجدنا كوكبا خارجيا من مجرة أخري يرضي أن يشتري منا كل قطعة سلاح علي ظهر هذا الكوكب الأرضي البائس..فستكفي هذه الاموال لإطعام كوكب ا
لأرض كله من مبدأه لمنتهاه مدة ألفي عام كاملة..!
يدير الرقم رأسي .. فأغلق الكتاب علي جرحي النابض..ومن كل أعماقي استمطر اللعنات علي الأفاعي التي تقود هذه البشرية للجحيم رأسا..
هذه الأفاعي التي لا تكف عن الحديث عن الفقر والجوع وقلة الموارد،ولا تخرج لفقير مليما الا بقلع الضرس أو شق الأنفس..نجدها أنشط ما تكون حين تلقي بترليوناتها تحت أقدام سادة السلاح وصانعيه..
أما كان الفقراء والمرضي والمعوزين ومن لا يجدون قوتهم أولي بهذا..
قاتل الله الحروب..والدماء..وشهوة التسلط والتجبر لديك أيها الانسان البغيض..
ولقد قاربت علي الوصول الي درجة الاكتفاء التام من كراهيتي لهذا الجنس البشري الوضيع الذي -برغمي- أنتمي إليه..
أتلفت باحثا عن خلاص..عن درب ينتشلني من عار هذه النسبة..لكن الخلاص عزيز..
والآن أفهم لماذا انفجر ابو القاسم الشابي في شعبه قائلا:

أنتَ روحٌ غَبِيَّة ٌ، تكره النّور، وتقضي الدهور في ليل مَلْس...
إنني ذاهبٌ إلى الغابِ، ياشَعْبي لأقضي الحياة َ، وحدي، بيأسي
إنني ذاهبٌ إلى الغابِ، علَّي في صميم الغابات أدفنُ بؤسي

الآن أفهم لماذا اتجه شاعر عظيم كــنزار قباني إلي (أدب اللا أدب) باعتباره معادلا موضوعيا للفرار..
نافذة يستنشق منها نسيما غير مدنس..وهواء لم تغلفه الدماء..
سيتهمونه بالبشاعة..بينما هم مادتها الخام..سيتهمونه بالوضاعة..بينما هم أصل هذه الكلمة وإليها ينسبون..
إن الهروب في بعض الأحيان يكون أفضل ما نفعله..علي الاقل هو سيحفظ لنا روحنا من الابتذال..من التوحش..من شهوة الدم التي لا تنتهي..
يذكرني ذلك برد (مظفر النواب) علي معاتبيه لكثرة ألفاظه البذيئة الخارجة..حين قال لهم ساخرا: أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه..؟
بالله عليكم: أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه...؟؟؟؟
هذا واقع ليس ثم فيه خيار إلا أن تموت علي عتبته منذ الوهلة الاولي..وثق انه سيكون موتا بلا فائدة أو ثمن..موت من النوع الرخيص الذي ربما لن يكلف قاتلك أكثر من ضغطة زناد واحدة.. 
وإما أن تتناساه تماما لتعيش في عالم مواز..
عالم أكثر رقيا..وتحضرا..ويقينا..
عالم في خيالك أنت..تري مفرداته في كتاب الله وهو يتحدث عن المجتمع المسلم الرحيم في سلمه وحربه..
وتري مادته في تلك القصائد الشعرية التي ماتزال هي جواز سفرك لعالم الأخلاق والمثل..
وفي ساعة الذئب هذه حين تكون هشاشتك قد بلغت ذروتها..وقابليتك للإنكسار أضحت قاب قوسين أو أدني..تؤنس روحك الغريبة بكائية الغريب الراحل (درويش):

سيداتي..
آنساتي..
سادتي!
سلّيتكم عشرين عام
آن لي أن أرحل اليوم
و أن أهرب من هذا الزحام
و أغنّي في الجليل
للعصافير التي تسكن عشّ المستحيل
و لهذا.. أستقيل
أستقيل
أستقيل ..

إعدام..!


شيخ عبد القادر ملا أعدم في البنجلادش منذ يومين..عرفت الخبر بمجرد حدوثه واستبشرت..ولو كان يعقل أن أدعوا للرجل أن يوفقه الله في عملية إعدامه لفعلت..! فليس هذا بالزمن الذي يحزن أحدنا للخلاص منه علي أية حال.
كلنا سنموت..أما الشيخ عبد القادر فقد بدأ في أمسِ فقط الحياة..ومضي بعدما قدّم شهادة من دمه أن دين الله عنده أغلي من كل شيء.
غير أن ما أثار حفيظتي..ما استفزني من الوريد للوريد..وذبحني حتي العظم هي صورة هذه الجموع الهادرة التي اجتمعت للصلاة عليه..
ولو كان لي فيهم من حكم لأمرت أن يضرب كل واحد فيهم ألف مطرقة علي رأسه عقابا علي صفاقتهم وثخانة طبعهم التي جعلتهم يُسلمون رجلا كهذا وينتظرون كل هذه المدة -التي ذاق فيها ألوان العذاب- ثم يأتون الان -بكل بجاحة- يتباكون علي رحيله ويعلنون الحداد..
لفقد فُقدنا رجولتنا منذ زمن..وها قد تولي علي إثرها الحياء..
وأنا -بالمثل- لم أفعل شيئا لنصرة الرجل..لكني كذلك لم أكن لأجرؤ للصلاة عليه..
ورحم الله حسينا حينما قال لأجداد هذه الجموع الغثاء وقد تجمعن في ذات المشهد منذ قرون طوال: (المغرور والله من اغتر بكم).
وصدق محمود درويش حينما قال:
دم اشهيد يحاصرني كلما عشت يوما جديد..ويسألني أين كنت...؟
أين كنت.....؟

السبت، 14 ديسمبر 2013

السير الذاتية والتراجم الشخصية:


لسبب ما كنت أقضي -وأنا صغير- الساعات الطوال بجوار جدي العجوز الواهن في محاولة مني لارتشاف كلماته ارتشافا..
كنت احرص جدا علي متابعة شفتيه متي انفرجتا للكلام خشية ان تقع لفظة واحدة منه علي الارض..قبل أن أودعها أذنيّ
كانت كلماته بالنسبة لي ثمينة..ثمينة جدا وكأنها قطع اللؤلؤ النضيد..
وكانت حكايات لا تنتهي..عن خبراته..وتجاربه..وحياته..وآراءه في الناس..وشهادته علي التاريخ..والأحداث..
وكيف التقي بجدتي..وعن ذكرياته مع أمي وأخوالي..وعن ذلك الصوت الرهيب الذي كان ينبعث كل يوم في السحر من الساقية القريبة من منزله..وعن ..وعن..وعن..
وتركَنا جدي ليكمل رحلته الاخيرة الي الجنة..بينما بقيت أنا أسترجع سحْر حكاياه وحدي، وأحاول البحث عن طريق أجدد به متعتي للسماع..وأحصّل من خلاله كما من التجارب والخبرات التي كنت احصّلها من ذكريات جدي ومعارفه..ووجدت بغيتي..
لكنني وجدتها هذه المرة مكتوبة لا مسموعة..وعاد السحْر يلفني من جديد كلما قرأت أحد هاتيك الكتب التي تتحدث عن السير الذاتية أو التراجم الشخصية -التي يكتبها أصحابها أنفسهم-،
خلاصة عمر كامل يوضع بين يديك..
عقول مجردة تفتح صفحاتها لك لتقرأ منها ما تشاء..
ملايين المشاهدات والافكار والتصورات والأحداث والمواقف تأتي طارقة باب ذهنك مستأذنة في الدخول..
أماكن لم تزرها من قبل..شخصيات لم يجل بخاطرك للحظة أنك ستعلم عنها شيئا..وغوص داخل مستنقع النفس البشرية الذي لا يكف عن ادهاشك لحظة..
كل هذا وأنت جالس علي فراشك مستدفء الروح والجسد..
أي سحر..أي متعة وغناء..!
ان من يبحث عن الأدب.. عن التاريخ..عن الحكمة..عن المعرفه..عن التجارب التي صقّلتها الأيام وهذبتها السنون..فلابد أن يكون له اطلاع علي هذا النوع من التراجم والسير..سيما إن تحلينا باتساع الافق وقرأننا السير الشخصية لأفراد الأمم والاجناس والاديان والمذاهب والأيدلوجيات الاخري -رجالا ونساء-.
وأنا لن أفرض علي القاريء الكريم شيئا بعينه ..هذا عالم ساحر سوف أترك لكم متعة تجريبه بأنفسكم..
غير أن الاقتراحات التالية قد تصلح ربما أن تكون بمثابة جواز سفركم الي هذا العالم الفانتازي الجميل:
1- صيد الخاطر لابن الجوزي
2- حياتي لأحمد أمين
3- مذكرات علي الطنطاوي (6) أجزاء
4- مذكرات نيلسون منديلا
5- مذكرات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم
6- أيامي لأحمد السباعي
7- مذكرات الأيرلندي كريتسي براون
................والقائمة تطول............
____________
نورالدين.


أنا مش شايف أيتها نهضه..!


كل هذا هراء..
لو كان لحق ان ينتصر علي هذه الأرض لانتصر،
ولو كان لباطل أن يدوم لما قامت الثورة.
هي حلقة مفرغة تبدأ من حيث تنتهي..والعكس.
_________

المفترض أنني معتزل للأحداث، الاحداث كلها علي كل الأصعدة،
لكن عندي رغبة عارمة في استثناء هذه الليلة، المفترض أن أكون وفيا للعزلة، سيما أنه لا أحد يطلب رأيي العبقري، وليس ثمة من تنقرْ بيدها علي سطح المكتب في توتر منتظرة أن أشرق علي الجميع بكتاباتي النيّره.
لكنني سأرجع في رأيي مؤقتا، ربما هي بقايا عقدة ورثتها من مدرس النحو في الصف الثاني الإعدادي والذي كان دائما يعدنا أنه لن يأتي بنقطة كذا ،ثم نراها أول نقطة في ورقة الأسئلة.
بالإضافة لكون كمية الكوميديا السوداء التي يزخر بها الجو من حولي (تجر شَكَلْ) أي عابث لتغريه بأن يشارك.
- يا راجل كبر مخك.
هذه جملة محورية لا شك في حياة حسني مبارك، وفي حياة نظامه كله.
ثم كانت الطامة الثانية بجملة أخري علي غرار: خليهم يتسلوا.
وجاءت ثالثة الأسافي من رئيس وزرائه ليؤكد أن شعب مصري من أغني شعوب العالم، والدليل هي كمية (الزباله) التي ينتجها هذا الشعب، باعتبار انه من القوانين الفزيائية الشهيرة ذلك القانون الذي ينص علي أن : حجم الزبالة في أي بلد يتناسب طرديا مع ثروة هذا البلد، وعكسيا مع عقل القائمين علي الأمر في هذا البلد.
لهذا كان لابد أن تقوم ثورة، وكان من المفترض أن تنجح.
لكن هذا لم يحدث، ولم تنجح الثورة لأسباب عديدة جدا أولها:  انصباب الاهتمام علي اسقاط رأس النظام دون العمل علي محو (ايدلوجيته) كاملة في جميع شؤن الحكم ومناحي الحياة.

وثانيها: غياب الأيدلوجية البديلة الصحيحة التي يمكن أن تحكم حال سقوط الاولي.
وثالثها: وجود الثالوث الخطير في مقدمة المشهد المصري:(الاخوان - السلفيين - العلمانيين)،
ولأن السلفي متطفل بطبعه وطبيعته، فقد كشف ورقه منذ اللحظة الأولي، وسارع ليرتمي تحت أقدام الحاكمين (شفيق ومن بعده المجلس العسكري).
ولأن الاخواني كائن لزج في المقام الأول لا يهمه سوي مصلحته فحسب، فقد مثل البند الأخير في اتمام الصفقة.
ولأن العلماني كائن (خبيث) فقد انتظر،لكن بدا له بعد فوات الأوان أن انتظاره قد جاء وبالا عليه وأن مصر قد اقتسمها العسكر مع الاخوان والسلفيين.
وكان من الطبيعي ان يجن جنونه، لكن القواعد اختلفت الآن.
هناك انتخابات، والانتخابات بحاجة الي أصوات، والأصوات عند البقال..آسف الذي عند البقال هو الزيت والسكر الهامين طبعا لشراء الأصوات.، ومن الواضح أن تجارة (البقالة) تجارة رائجة في زمان الإنتخابات، لكن هناك تجارة أكثر رواجا بلاشك.. (الدين)!.
وهنا فقدت العلمانية ورقة الحسم، وجاء أوان انتفاش الاخوان والسلفيين ودعوتهم للدستور اولا ثم الانتخابات فيما بعد، ومثلوا الأمر وكأننا علي وشك فتح (القسطنطينية) نفسها،
بل بلغ الامر بأحد (دجاليهم) أن يصرح بأننا قد انتصرنا في غزوة الصناديق، وأن الصناديق قد قالت -كما يؤكد!- للدين نعم.
وعاش الناس في دوامة الشريعة والحاكم الذي لا يرتدي قميص واق، ويحفظ القرآن، ويجيد عمل عجين الفلاحه، ويمكنه العد من 1- 10،
ثم انتهينا أخيرا الي الحديث عن محمد الثالث الذي سيفتح القدس كما تنبأ بذلك عراف اسرائيلي -مثلما جاء علي لسان عبد الرحمن البر مفتي الاخوان!-.
وانهمرت الشريعة علي رؤسنا انهمارا..قروض ربوية،
مد لترخيصات الكباريهات وبيوت الدعاره،رسائل الودّ الي اسرائيل،السماح لبوارج موسكو الحربية بالمرور بالقناة لحرق سوريا بمن فيها، استقبال المجوس الرافضة بالأحضان، اعتقالات تعسفية وإبادة لأهل سيناء بزعم جماعات ارهابيه،
انقطاع مستمر للتيار الكهربي والماء، وانعدام الامن وهبوط النقدي الاحتياطي الي أرقام لم يسبق لها مثيل.
براءات بالجملة لسفاحي النظام البائد وعلي رأسهم مبارك وابنيه، عودة أمن الدولة من جديد، ثم أخيرا سد النهضة الاثيوبي.
وجاءت قاصمة الظهر بتهديد الإخوان ومن ينوب عنهم -(جماعه اسلامية/ حازمون)- للشعب بأنه إذا تمرد علي مرسي فسوف يقومون بثورة اسلامية يطبقون فيها الشريعة...!!
اليس هذا اعتراف صريح انكم كاذبون، وانكم لا تمتون لشرع ولا دينِ بأدني صلة..؟
وطبعا جاء كل هذا بمباركة العمائم وشيوخ العار.
ناهيك عما فعلوه من مكافآت (لبجاتو) و(طنطاوي) وغيرهم، بعدما قضوا عاما كاملا يسبونهم وينعتونهم بأقبح الألفاظ.
وكانت الفرصة الذهبية للعلمانية...
هل هذا هو الاسلام..؟
هل هذا هو المشروع الذي ظللتم تتشدقون به طيلة 100 عام..؟، ..الخ.
وأخذوا -كعادتهم القذرة- ينفخون في الجمر كي يذكوه نارا.
فاستقطبوا عددا كبيرا جدا، لا يُشترط بالضرورة أنه يحبهم او يوافقهم علي كل شيء، لكن هذه الأعداد وحّدَهَا الكُره الجامع لنظام الاخوان ولما يمثلونه -مع الاسف- من إسلام مصطنع.
ولأن مصارع الطغاة تتشابه، فتشابهت قلوبهم أيضا، فصار مرسي وخرفانه ومن ورائهم بقية الثيران علي نفس طريق المخلوع وزبانيته، وخرج علينا من أساطين نظامه من يعيد صياغة : خليهم يتسلوا - ويا راجل كبر مخك!.
بل وصل الأمر الي حد قول مرسي نفسه، ان الأمور مستقره، وأن كل شيء سيُحلّ بالحب..؟!
ثم أتْبع ذلك بحديث -اجتهدت كي افهمه- علي غرار هذه البلد بلدكم، وهذه الاموال ملك لكم...الخ.
وتذكرني سخرية هذا الموقف بذلك الشاعر الذي يدعونا للإبتسام والفرح لأننا نملك الأرض والسما والانجم، ولأنه:
(لنا الحقول وزهرها وأريجها .. ونسيمها والبلبل المترنم).
حسنا أطعمني وانا اتنازل لك عن ملكية السماء.
اعطني بيتا يأويني وحلال عليك بقية الارض.
انا اتنازل عن حقي في الانجم في مقابل ان تعطيني فرصة عمل تحفظ لي بقايا كرامتي.
ولن تعدم أن تسمع كل يوم عن مئات الانجازات الوهمية التي لم ولن تتحقق الا في أذهان الاخوان وتابعيهم فحسب.
ولو كانوا يفرضون ضريبة علي الغباء، لتحولت مصر إلي أغني دولة في العالم بين عشية وضحاها...
وما زال المبرراتية يتحدثون!.
وبات الجميع -باستثناء القطعان البرية- متيقنا من سقوط الإخوان.
وراح كلٌ يعزو ذلك السقوط الحتمي الي اسباب يراها وجيهة:
فمن قائل ان ذلك بسبب كبرهم وغرورهم، ومن قائل ان مردّ ذلك الي فشلهم الساحق، ومن مُحيلٍ الأمر الي نفاقهم وختلهم.
اما أنا فأري ذلك السقوط نتيجة حتمية لتنحيتهم لشرع الله، ولتعظيمهم لأحكام وضعية قدموها علي دين الله، ولظلمهم وطغيانهم في حق الأبرياء، ثم لك بعدها أن تضع أي أسباب شئت.
يوم 30/6 قادم، لكن مصر بعده لن تعود كما كانت قبله أبدا
لهذا فإن الأقدار تضعنا أمام بند (فاخترْ وما فيهما حظٌّ لمختارِ)، ولأن الحق لم تعد تشرق نوره علي هذه الأرض فستتبدل الأدوار وحسب...
الطغاة يتغيرون،لكن الطغيان باق.

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

محمد المهاجر في القرن الواحد والعشرين.


الهوية -أي هوية- هي بالضرورة تهتم أكثر ما تهتم بالتفاصيل الصغيرة !، إن التفاصيل الصغيرة هي ما تصنعنا حقيقة لا توهما، وكلما كان التفصيل صغيرا دقيقا كلما صار أعمق دلالة علي الهوية أكثر وأكثر !.
أمة اليابان صاحبة أعظم وأتقن وأكبر امبراطورية صناعية في القرن الواحد والعشرين، تلك الأمة التي تركت بصماتها علي معظم أسطح الكواكب الخارجية، وتركت آثارها في غالبية أعماق البحار والمحيطات والانهار التي يأويها كوكبنا، ووصلت بالتكنولوجيا الي ما يشبه الإعجاز، لا تزال الي الان
متمسكة بـ (الكيمونو ) ذلك الزي العتيق الذي ورثته عن الاجداد.
ان رمزية هذا الزي -علي بساطته- هو ما يجعل من اليابان يابانا، وهو ما يمنعها -ولو ظاهريا- من الذوبان في المحيط العالمي، وما يجعل منها أيضا نسخة متفردة بذاتها.
وقس الأمر ذاته علي (قبعة) المكسيكين، وعلي (ساري) الهنود، و (عقال) العرب -فيما مضي-..الخ.
ومهما بدا لك رمز الهوية شكليا وغير مهما الي الدرجة التي يكون فيها معبرا عن ذاتية، فإن عدوك المتربص يعلم غير ذلك، ويوقن بشكل تام أن تجريدك من ملامح هويتك -علي بساطتها- هي الخطوة الفصل في طيك تحت جناحه ووضعك نخب أمره وطاعته، وإلا فبم تفسر إشتراط كل من فرنسا وألمانيا وأنجلترا علي الدولة العثمانية -في نهاية القرن الثامن عشر- إلغاء التقويم الهجري في مقابل تمويل تلك الدول لجيش العثمانيين وتحديثه...؟
هل تتخيل...؟! تمويل وتحديث وامداد جيش عدوك اللدود -بما يوازي مليارات الجنيهات- في مقابل امر -قد يبدوا للوهلة الأولي بأنه جدا بسيط-. ان طرفي المعادلة في حسك قد لا يستويان عقلا..لكن الامر غير ذلك في نظر الأعداء.
ان هويتك -او ما يميزك عنه- هو أخطر عليه الف الف مرة من كل سلاح في الكون، انه يعلم جيدا أن هويتك = أنت، وأنك حالما تستعيدها وتكف عن الدوران في فلكه فستستعيد ذاتك حتما، ومتي فعلت ذلك فلن تصمد في مقابلك أي قوة مهما عظمت.
وللتدليل علي كون مثل هذا الشرط كان مقصودا ولم يكن اعتباطيا أو وليد التعجيز أو الاستهزاء فقد طلب أحد خديويي مصر قرضا لتمويل مشروع حفر قناة السويس من دول العالم العظمي وقتها، وسافر مندوب الدولة المصرية لتقديم طلب رسمي بذلك لتلك الدول فرحبت أيما ترحيب، لكنها قدمت شروطا عدة كان علي رأسها :( إلغاء التقويم الهجري في مصر واستبداله بالميلادي)!.
فقط لأن التقويم الهجري يربطنا رأسا بمحمد، ومحمد يربطنا بإله السماء، وإله السماء -جل وعزّ- يطلب منا تعبيد البشرية له، وجعل نظامه المحكم وشريعته العادلة وكلمته الخالدة هي العليا فوق كل نظام وتشريع وكلام.
وعبادة البشر للبشر حين تنتهي -ولا يملك إنهائها إلا الاسلام- فلن يكون هؤلاء القوم حينئذ قوة عظمي، ولن يكونوا أكثر من أفراد في مملكة الله لا يملكون أن يجوروا أن يظلموا.
إن الهجرة انتقال من سطوة الجاهلية وتحكمها وجبروتها الي غاية ارحب وأنقي وأعدل.
الهجرة أخذ بالاسباب وعمل بما تقتضيه سنن الله في الكون ليكون لنا الكلمة الفصل.
الهجرة نصرة للضعفاء وإعانة للمعذبين، وتسلية للمحزونين، وفتحا ونصرا عظيما للمهاجرين.
الهجرة ترك ما تحب النفس وتهوي..ترك الاهل..والموطن..والمال..فقط للدلالة علي أن كل هذا هراء إذا ما قيس بالمعتقد وما يقتضيه الإيمان.
الهجرة هي الصحبة الخالده..والمعية الدائمة التي لا تنقطع.
الهجرة ثبات محمد وبطولة أبي بكر وشجاعة عمر وبذل عثمان وبسالة اسماء وطهر أهل المدينة من الانصار.
إن هجرة محمد لم تكن مرة في العمر، في كل عام يهاجر محمدا، يهاجر بذكراه..ويعبر طيفه ليستحثنا علي المتابعة والمواصلة، وليذكرنا بأن للله أمرا لا يرد، وبأن في السماء إلاها لا يغلب، وأن مشيئة الأرض -كل الأرض- معلقة أولا وآخرا بما يشاء الله.
ان محمدا الرسول المهاجر في القرن الواحد والعشرين يبحث عن رفقة..فهل تري نفسك لذلك أهل..؟
محمد المهاجر في القرن الواحد والعشرين يبحث عن خبير يأتمنه علي طريقه ويرسم له خطة المسير..فهل تصلح لذلك..؟
 محمد المهاجر في القرن الواحد والعشرين يبحث عن أمة كأمة الانصار تبيع روحها ومالها وأهلها في مقابل أن تشتري جنة الله..فهل منا من يصلح أن يكون كهم..؟
محمد المهاجر في القرن الواحد والعشرين يبحث عن رجل شجاع كعمر..وعن صبي صامد كعلي..وعن امرأة ثابة كأسماء..وعن ثقة في النقل والاستقصاء كعبد الله بن أبي بكر..وعن بائع لله روحه وماله كصهيب..وعن صابر صامد كعامر بن فهيرة..
محمد يبحث عني وعنك وعن أمة تؤازره، أمة تترصد خطي نبيها في هجرته،
وها هي أثار الرسول في طريقه الي الغار...فهل تراها...؟
هاهو نقش قدمه الشريفة علي الرمل يبدوا جليا قبل أن تمحوه آثار رعي عامر بن فهيرة فهل تلمحها..؟
هاهو النور يومض من بعيد..
فهلم بنا إذن لنتبعه.
لكن محمدا المهاجر في القرن الواحد والعشرين هذه المرة يوجهنا لا ناحية الغار..
بل يقرع سمعنا بحروف ينتصت لها الدهر في خشوع، وليرددها من بعده الوجود:
(لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد..ونيه)/ حديث شريف.
( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر )72/الأنفال.

السبت، 21 سبتمبر 2013

قليل من الفلسفة..(ا)


سألني أحدهم عن فلسفتي في الحياة...!
أوه، فلسفتي في الحياة..؟!
أود طبعا ان أكون شخصا مهما لدرجة أن تكون لي
 فلسفة ما في الحياة، لكنني للأسف لست كذلك.
خاب ظنه فيّ..ولا الومه.
فمنذ فترة من الوقت تصادف سفري مع واحد
من اشهر شعراء مصر المعاصرين،
ممن طبقت دواوينه الخافقين..
تعارفنا وبدا انه يعرف عائلتي جيدا،
أهداني آخر دواوينه..فوجدتها فرصة متميزة لاقتناص
ما لديه من تجارب..
و عنّ لي أن أسأله عن خبرته التي اكتسبها طوال السبعين عاما التي عاشها..
وبشغف سألته عن ماهية الدروس التي علمتها اياه الحياة.
كنت أنتظر منه أن يعتدل في جلسته ثم يلقي علي اجابة مطولة تمتليء بعبارات فلسفية مفخمة من تلك التي يجيدها كل من يوجه اليه سؤال كهذا.
لكنه بداهادئا وهو يجيب
-بمنتهي البساطة-: تعلمت أنني لم اتعلم بعد شيئا.!
هي ليست إجابة ذكية جدا كما ترون..
ولقد تمنيت وقتها ان لو هشمت رأسه لولا ان هذا كان سيسبب بعض الازعاج للركاب حتما.
ومن بعدها ابتلعت لساني ولم أسأله عن شيء طوال الرحله.
سقط من نظري كثيرا، كما سقطت انا من نظر صديقنا الاول بلا شك.
لكن هذا كان درسا -مهما كان قاسيا- لابد وأن نتعلمه..
من الصعب ان تبني فلسفة صحيحة ودائمة في الحياة قط.!
مخطيء من يظن ان الحياة يمكن لها ان تستمر علي وتيرة واحدة ابدا..بما يسمح لك أن تصنع قالبا مصمتا علي مقاسها.
ربما هذه بديهة يعلمها الجميع نظريا،
لكنها بديهة واقعية بشكل لا يصدق..
كل شيء في تغييرمستمر...الاقدار..المشاعر..العادات والتقاليد..وجهة نظرنا لأمور..وحتي قناعاتنا الذاتية.
ولا يتصورنّ أحد أن بمكانه وضع جدول صارم لحياته بحيث لا يكون فيها تخبط او ارتجال..
لقد اكتشفت بعد كل هذه السنين ان هذا محال.
كل شيء قابل للتبدل في لحظه..
لا تراهن علي الثبات ابدا..

وغاية ما يمكن لك ان تفعله هو ان تضع الخطوط العريضة في حياتك..
اما التفاصيل الصغيره..والخطوط الاقل سمكا..فهذا شيء في يد الزمن وحده.
ونصيحتي لك هي الا تنتظر من الزمن الشيء الكثير..
ولا تراهن كذلك علي الثوابت في مقابل متغيرات العاطفه.
اسأل فتاة حالمة عن الحب ستخبرك بأنه أفضل شيء في الوجود،
ثم انتظر فترة حتي تبدأ مرحلة تمزيق الصور وتحطيم التذكارات وأعد سؤالها، ستخبرك ان الحب هو اكبر اكذوبة في تاريخ البشريه، وان الرجال ماهم الا مذئوبون حثالة يتسلون بقتل ضحاياهم من الآنسات الرقيقات.
امهاتنا الصابرات يرون الحياة جميلة طالما نحن فيها، ومهما تشكوا اليهن من قسوتها وغلاظتها فلن تحصل سوي علي ابتسامة بريئة مشجعة، هاته الامهات أنفسهنّ اذا فقدن احد ابنائهن فمن المستحيل ان تحصل منهن علي رأي ايجابي في الحياة بعدُ.
ونحن كمخلوقات بشرية جميعا نظل نكره الحياة ونناصبها العداء حتي يتحقق لنا ما كنا نصبوا اليه فيها من أحلام،
وحينها نتصافح وإياها، ونبدوا كعاشقين يسيران في نزهة تحت قمر..
وهي الحالة التي يصفها محمود درويش بدقة حين يقول:
(ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا).
كوكبنا علي شكل كرة شبه بيضاوية تدور..
ولنا نحن ساكنوا هذا الكوكب نصيبا من هذاالدوران.
فأنت تري ان كل شيء من حولك يدور..يدور الي حد يدفعك لان تدور معه انت الاخر غير عالم الي اين سيستقر بك المقام.
أعد بنفسك التقليب في دفاترك القديمه ستجد أشخاصا كُثر كنت تراهم أقرب الناس اليك..فكر أين هم الان..وكم أصبحتما أكثر بُعدا مما تخيلت يوما.
فكر في أولئك القريبين منك الان..كم واحد منهم كنت تتصور انك ستصفوا له وتفتح له قلبك..؟
فكر في قناعاتك الذاتية منذ خمسة أو عشرة أعوام وقارنها بما تعتقده الان.
هل تبينت هذا..؟
اننا نتغير تدريجيا..بعضنا يدري هذا ويرصد خطواته بدقه..والبعض الاخر قد يلتهي عن ذلك بأمور الحياة وأحداثها..
الي ان يمر بتلك الحالة التي تقتضي منه اختيارا حقيقيا لمعتقداته وآراءه، وهي الحالة التي تصف بدقة من نحن..
من نحن علي الحقيقة..
من نحن بعيدا عن الهالة التي نرسمها لأنفسنا، أو يرسمها الآخرون لنا في مخيلاتهم..
ولحظة الاختيار الحر هذه هي المقياس الوحيد الذي ينبيء عن مكانك الان..اين كنت..وكيف صرت.
هل تغيرت كثيرا عن الماضي..؟
هل هو تغير لأفضل..؟
أم للأسوأ،
ولو كان الأمر كذلك فما هو السبيل لاتضاح الرؤية..
والرجوع..؟
ان إعادة ترتيب موضع خطواتنا في هذه الحياة يجب ان يكون امرا محوريا يحتل الصدارة في الحياة بالنسبة لنا..
ان اللص سييء مادام لم يدرك بعد انه لص، فاذا ادرك ابعاد ذلك ووقف مجردا امام ذاته، انتقل من خانة اللصوصية الي خانة المعذَّب..الي خانة الفيلسوف المفكر..!
وهذا التفكير نتيجته هي محصلة ما بداخل هذا اللص..
وما بداخله قد يجعلنا ندير وجوهنا بلا مبالاة وكأننا كنا نتوقع الاختيار، او يجعل عيوننا تمتلأ دهشة واكبارا.
وهذا يعيدنا لفكرة الخطوط العريضة التي يجب ان نضعها علي صفحة الحياة..
في خضم هذا (الخلاط) الفكري والثقافي والاجتماعي الذي نعيش بداخله..كيف لنا ان نمسك بين ايدينا زمام الثابت والمتحول..؟
كيف ونحن أساسا عرضة لهذا التحول بين لحظة وأخري..؟
-في كتابه (المحاسن والأضداد) يضعنا الجاحظ أمام معضلة حقيقية كمثال علي التحول العقلي الشنيع..
حيث انه يختار الحديث عن شيء ما..فيشرع في تحسينه وتزيينه لك، ويأخذ في حديث طويل معددا محاسنه وفضائله ومميزاته..الخ.
فينعقد في ذهنك أن هذا الشيء هو أفضل وأجمل ما في الكون.
ثم ينتقل للنقيض فيتحدث عن الشيء ذاته مبديا لك الجانب السيء فيه..ولا يتركك حتي تقتنع تماما أن هذا الشيء هو أسوأ ما في الكون.!
حيرة التناقض بين المحاسن والأضداد.
هي جزء مصغر من حيرة التناقض العظمي التي تغلف الحياة كلها.
-في دير القديسة مريم الشكور في ميلانو الايطاليه وتحديدا في العام 1495عهد رئيس الدير الي الفنان العبقري ليوناردوا دافنشي برسم لوحة العشاء الأخير..
وهي اللوحة الاشهر في الفن الكنسي علي الاطلاق، والتي فيها يجتمع المسيح -عليه السلام- كمثال للطهر والتسامي، ويهوذا الإسخريوطي كمثال علي اللؤم والخسة والوضعة.
ولأن دافنشي كان محترفا فلقد بحث عن وجه طيب وخلوق يشع من جوانبه البراءه ليكون صورة المسيح.
ثم بعدما انتهي منه ، ومن رسم حواريه..

بدأ رحلة مضنية للبحث عن وجه عبوس ولئيم ليمثل يهوذا..
وبعد رحلة بحث طالت الي سنين عديده عثر ليوناردو اخيرا علي بُغيته..
أحضره للدير وقبل شروعه في الرسم اكتشف الحقيقة المذهلة..
هذا الشخص هو بنفسه الذي رسم تقاسيم وجهه منذ سنون عديدة ليمثل المسيح..!
لكن الزمن غيره تماما للنقيض..
غيره من شبيه للمسيح الأطهر، لمماثل ليهوذا المدنس.!
وهذا ما يفعله الزمن فينا..تماما.
إنه يغيرنا الي حد أننا في لحظة ما نكون غريبين حتي عن أنفسنا.
ان مجريات الزمن عجيبة جدا..
عجيبة الي حد يكاد يصيبك بالجنون.
وأن تكون لك فلسفتك في الحياة وحده هذا الذي قد يكفل النجاة من براثن هذا الجنون.
وان تضع قدميك علي نقطة الثبات..قد يكون الشيء الوحيد الذي ينجيك من خطر الدوران في فلك المتغير...
أن أهمية تكوين نظرية فلسفية خاصة بك هي ما يجعلك سيد اللعبة، وهو أيضا ما يسمح لك باكتساب نقطة تفوق علي الجمع المحيط بك.
وهذا يقتضي تحديد نقاط ورسم خطوط عريضة..
لكن في ظل ما سبق الحديث عنه كيف لنا أن نضع أيدينا علي مفتاح اللغز؟؟
وكيف لنا أن نصلَ...
كيف؟

  وللحديــــث بقيــه..

نورالدين


الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

عن الذي لم يكن / नहीं था कि सभी / (2

لأن الاساطير تحمل مغزي ما،
ولانها أعمق من أن تكتفي بجانب واحد من جوانب الحدث،
فتوغل بنا اسطورة (أمبريتا) لتحكي المزيد..
وليكن من ضمنه ما تقصه علينا بعد اشارتها الي 

الخطاب الذي وصل (أمبريتا)، 
اشارة الي خطاب ثان، لكنه هذه المرة صادر من (أمبريتا) نفسها.
فهلموا بنا نتتبع آثار مجداف العجوز (ماداهو) الذي يضرب به

صفحة النهر،
عسانا نلقي نظرة عابرة علي الخطاب قبلما تطويه 

يد النسيان، وتتوغل علي اسطوريته تعاقب الازمان،
انتم حاضرون؟..مصغون؟..
اذن فلتسمعوا:
_ _ _

كتبت الي يا ريبال ترجوني ان اتوقف عن التعامل
معك باعتبارك فندقا آوي إليه حين تغلق في وجهي الابواب،
لكن الي اين اذهب يا ريبال..؟
الي اين تهرب جدائلي وغدائري من زخّات المطر؟
جفناي من اين تأتيهما السكينة ليغمضا بعد طول عصف الريح
الا في حضرتك؟
خافقي الملذوع كيف لحانيات الليالي ان يربتن عليه الا
اذا تأكدن ان طيفك يرفُّ عليّ..؟.
-انك من اقبس من ضياءه شعلة حياتي يا ريبال،
بحري الذي ارتمي علي سفح رماله،
نهري الذي يجرفني بين أمواهه
وأترك نفسي له مستسلمة.
-نعم آتيك حين لا اجد غيرك..
كطفلة صغيرة تكسر قوس والدها وتهرب لتواريها شعاب الغابة،
ثم حين يجنها ليل تدرك أبعاد مأساتها،

 وانها لا تملك الا ان تعود..
لانها صغيرة..وخائفة..ولا تستطيع ان تبصر موضع خطوها.
-نعم -بعد غفوة في عينيك- اذهب يا ريبال
بغلظة كما تقول..
لكنها غلظة الحب لا قسوة النُكر.
اتعرف ما اول ما تفعله أمّ بصغيرها -الذي فقدته لفترة- بمجرد رؤيته..؟
انها تضربه يا ريبال!..تضربه بقسوة..ثم تبكي..ثم تعاود تقريعه..لتأخذه بعدها في حضنها وتواصل بكائها..!
هناك لحظات تختلط علي اعصابنا فيها الرؤية يا نصفيَ الثاني في الحياة، 
فلا نعود ندري هل نضحك..هل نبكي..
هل نهرب..ام نعود..؟
ان تصرف الأم لا سبيل لمنطقيته يا ريبال
لكنها معذورة.
وانا كذلك غير منطقية لكنني ايضا معذورة.

معذورة لان كل ما هو خارجي عنك يقسوا عليّ،
ومعذورة لأن كل ما فيك يحنو ويرقّ.
انك لست مثلهم يا ريبال لِتُنسي..

كنت اتمني أن لو صرت كذلك..
لماذا لم تكن أسوأ قليلا..أغلظ قليلا..أقسي قليلا..؟
انها مشكلتك يا ريبال اني وجدت فيك الاب..والاخ..
والصديق..والسكنْ.
وبين يديك وللمرة الأولي فقط استطعت ان أبصر
موضع خطوي،وحدود دنياي ومنتهي أمالي وأحلامي.
وبعيدا عن يديك يتلاشي كل هذا
كسراب السهول
الذي كان يداعبنا في أحلام صبانا.
-انني اتناقص تدريجيا يا ريبال..
تنمحي صورتي في صفحة الماء..
تتسرب مني طاقتي..
تنزف اجزائي واحد تلو الاخر..
فلا استجمع ذلك كله الا بقربك..
معك تكتمل صورتي، واستعيد توهجي،وألملم اجزائي المبعثرة.
-تقول انني طفلة..؟
صدقت، ولكم وددت ان لو بقيت طفلة يا ريبال كما كنتُ،
لكن لعنة الزمن مسّتني ولا سبيل لردها
مطالبة انا في الحياة بالكثير يا ريبال، مطالبة ان اكون سيدة
محنكة ضليعة بارعة في كل ما هو من شؤن النساء،
وانا لست كذلك.!
انني مجرد طفلة اخري وحسب.
طفلة تتمني ان تكون علي سجيتها
ولا اجد من امارس عليه امنياتي،
والقي عليه بظلال دلالي سواك يا ريبال.
كنت تقول انك ستنجب حورية صغيرة وتسميها باسمي..
فلتتحملني مثلما ستتحمل من طفولتها يا ريبال.
فهي بشكل ما انا، وانا هي في زمان ومكان مغاير.
-تقول ان الحب هو الا نتعاتب يا ريبال..
اليس الحب كذلك هو ان نحتمل بعضنا البعض اكثر..
اليس هو ان نكون في حر الشمس فأستظل بوارف قوامتك.
اليس هو ان يكون لي مدخل خلفي الي قلبك افتحه وادخل
متي شئت؟
اليس هذا حق مكتسب لي بعدما طوَّفنا معا في ارجاء الحياة

يدا واحدة وقلبا واحداً..؟
بنفسكَ قلت انني كنت دائمة رقيقة..معك.
الم يجل بخاطرك ان قوة عظمي تثقل علي قلبي لتجعله

 غير قادر علي الاحساس بأي شيء سوي تشرّب ما تهبه الحياة إياهُ من قسوة وغلاظة..؟
الم يمر بك ان السبب قد يكون حيرتي التي تضغط علي 

كل جزء من اعصابي فلا تدع ليقينٍ حيزا..؟
انني كمن ينقل اقدامة بين اشواك الشجي يا ريبال،
لست ادري هل أطأطيء لانزع عن قدمي الاشواك أولاً،
ام اكمل طريق بجرحي النازف منتعلة دمي وفؤادي الجريح.
-تقول انني مغرورة يا ريبال،صدقت.
لكنه غرور المنكسر يداري عن السفح ألآمه..
يكتُم ابراجَ السماءَ اوجاعه،
يطوي صدره علي حرقاته كيلا يشعر بمراره

احد.
 صورة مماثلة من كبرياء مقتول يبتسم في وجه قاتله.!
-إنني انثي يا ريبال..
ولا تنس ان الاناث هن موطن المتناقضات التي لا تنتهي
والانثي -ان كنت لا تعلم- ضعيفة جدا يا ريبال،
لا تصدق أولئك الذين يتهموننا بالقوه،
فهم لم يكونوا بالقوة الكافية ليلمسوا فينا الضعف والخور.

ولو تحلّوا بالقوة الكافية والجسارة اللازمة ليدنوا من دواخلنا يوما
لما وجودا سوي دنيا من الضعف والخوف ترتع بين جنبات صدورنا بلا رفق أو هوادة.
-لقد كنت دائما مبدأ كل شيء في حياتي يا رفيق الحياة.
معك كان كل شيء بِكراً..
الحياة..والمشاعر..والفرح..والدهشة..
حتي الحزن والآلام.
انني لم اعتبرك حقل تجارب يوما يا ريبال..
لكن القدر لم يستشرني في شيء،
كان يفعل كل ما أراد نيابة عني..
لم يهتم كثيرا بما اريد، 

ولم يعن له ان يسألني يوما عمن أريد.
ولو خيرت يوما ما اخترت سواك يا ريبال.
لانه لا معني لاستمراريتي بعيدا عنك.

وانت لم تتجاوز الحقيقة كثيرا حين قلت:
إن حديقة عمري قد جفت واعتراها الذبول.
وافترضت لذلك اسباب غاب عنها وجه الحقيقة،
وهي ان امطار الشتاء قد مستها وهونة الحياة يا ريبال،
فلم يعد سيلها قادرا علي ان يكون خصبا ممرعا.
كل ما في السماء سحائب صيف،
ليس فيها للخصوبة مطمع.
وأنا كهاتيك السحب ياريبال -علي صغر سني-
امرأة في خريف العمر من ناحية الشعور،

امرأة لم يعد فيها ما يغري بالمقاومة،
وليست تملك مطرا خصبا تجود به عواطفك ومشاعرك.
انني الان جدباء كأرض هجرها الندي..
كصحراء لم يزرها الربيع منذ الازل.
واني لناصحة لك يا ريبال..
ان لم تكن لي فكن لأخري في مقتبل الحياة..
اخري لم تجرب صولة الحوادث، ولم تخض غمار الصعاب.

اخري تمرح فوق سهول الايام بنعومة جدولٍ ومهارة مهاة،
أتري ذهابك للجنوب محض مصادفة ياريبال..؟
اخشي الا تكون كذلك، 

ويكون القدر -نيابة عنك-
قد اختار لك هذه الاخري المترعة بالانوثة والحياة.
فنساء الجنوب مضرب الامثال في النضارة والبهاء.
هل تري يا ريبال...؟
هذا مظهر اخر من مظاهر لا منطقيتي..
اعلم انك تستحق هذه الاخري..
وأرجوها لك حقا..
لكنني لا استطع تصور فكرة الحياة بعيدا عن النبع الاخير الذي 

استقي منه لأخفف به شيئا من عطش روحي،
وها انت ذا تراني قد انتهي بي الحال الي ما وصفت في خطابك
من كون مفردات اللغة اضحت جرداءً من وصف يصلح..

لكنها ليست المفردات وحدها يا ريبال..
انا ايضا بدونك انثي جرداء من كل حسٍ..
زهرة مجردة عن طيب العطر.
انني احيا فقط لأنك ملء الحياة يا ريبال،
اخاف الموت -رغم اشتياقي اليه- فرقا عليك من الحزن،

اتنفس بوهم أن هذه النسمات صادفتك واحتملت عنك شيئا
من عطرك الوضي وهي في طريقها الي رئتيّ،
ان جود الغير في الحياة هو ما يجعل للحياة معني ياريبال،
والحياة فارغة عليّ بما يكفي
ولست أراها تسمح بان يغيب عني السمير الاخير..

والملاذ الأخير

_ _ _

عُد يا ريبال
عُد
أرجوكـ..