الخميس، 5 ديسمبر، 2013

أوراق من دفاتر منسيةٍ







في مثل هذا اليوم ومنذ سنوات ثلاث كنت محبوسا بين جدرانٍ أربع،
كنت اري الحياة حينذاك عبثية بلا معني..
وها أنا الان مطلق السراح لكن لم تتغير نظرتي كثيرا بعد.!
__ ___ __

تجربة السجن رهيبه، لكن يخفف كثيرا منها الغموض،
ويستهويك جدا طرح الأسئله،
فينشغل ذهنك عن كل شيء في محاولة الاجابة عنها:
هل سألبث هنا الي آخر العمر..؟
هل ستؤلمني الكهرباء اليوم..؟
متي سأموت..؟
_ _ _

في السجن يغدوا كل متاع في ناظريك صغير..
تكتشف ان لا شيء أثمن هاهنا من ابتسامه..
هل تبتسم من قهرك..من ألمك..
ام تبتسم لاحساسك الذي انعدم بالواقع..؟
لا تدري..
لكنك ترجوا ان تدوم تلك الابتسامة طيلة جلسات التعذيب الليلية التي لا تنتهي.
__ __ __

في غمرة أَلَمِكَ والوجع الذي ينهشُ لحمك،
تختلس النظرات الي كتاب ملقي باهمال علي مكتب آمر السجن
فقط لتلاحظ اسم دار النشر، ولتستذكر النسخة الارقي منه التي تملكها في البيت.!
__ __ __

كنت تتصور انك وحيد،
لكنك علي خطأ.
ثمة ساحر استطاع تجاوز كل العقبات..
الجدران العتيقة..الابواب الموصده..النوافذ المدعمة بالحديد..
الحراس المنتبهون كالموت..
الشفاه المغلقة علي الجرح..
الحنجرة الظميء لمدة يومين..
كل العقبات سقطت أمامه حتي همود القلب المثقل..
شكرا أيها الشِعْرُ.
___ ___ ___


ليس من شوق إلى حضن فقدته
ليس من ذكرى لتمثال كسرته
ليس من حزن على طفل دفنته
أنا أبكي !
أنا أدري أن دمع العين خذلان ... و ملح
أنا أدري ،
و بكاء اللحن ما زال يلح
لا ترشّي من مناديلك عطرا
لست أصحو... لست أصحو
ودعي قلبي... يبكي !

****
___ ___ ____

-أنت متهم.
-بماذا..؟
- بجريمة أعرف يقينا أنك لم ترتكبها..لكنك ستعترف..!
-وكيف أعترف بشيء لم ارتكبه..؟!
-تلك مشكلتك وحدك وليست مشكلتي.
___ ___ ___

رنين السلاسل يُوقع علي دَرَج السلم في طريقك الي القبو..
هل تبكي السلاسلُ في قدمي..؟
هل يبكي الدرج..؟
ام أن هذه دموع عيني..؟
__ ___ __

أنت غير قادر حتي علي التأوه،
فما الذي يغريك لتجاهد كي تزحف علي الارض،
تنتصب علي ركبتيك..
تغمس اصبعك في نهر الدم المتدفق من جرح ظهرك
وعلي الحائط تكتب:
أنا هنا ياااااااااارب.!
__ __ __

تريد أن تري أجمل (بورتريه) للقمر؟،
ليس أفضل إذن من أن تنظر الي ما تبقي من حطامه
من بين أعمدة الحديد الغليظة التي تدعّم إطار نافذة عتيقة
في زنزانة لا تتعدي المترين طولا وعرضا.
__ ___ __

ليس السجن جحيما ابديا..
جلسة مع رفاق الزنزانة قد تساوي عمرا كاملا احيانا،
ان الموتي لا يكذبون..
لا يتجملون..
لا يخادعون بعضهم البعض..
وأنتم في زمرة الموتي هنا..
لهذا تغدوا الكلمات بلسما والضحكات فراشات تطير..
تطير لتحط علي نافذة السجن البعيده.
___ ___ ___

كان النعاس قد هزم الجميع فناموا..
لكنك لم تنم..
كنت تستعد لتفعل حينما تسلل الصوت من أعلي

(لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا)
هل استعذت حينها من النفاق، وتوسدت ساعديك ونمت..؟
___ ___ ___

- ستُعرض غدا علي وكيل النيابة،
ولا تحلم بإخباره عن تعذيبك هنا، فهو يعلم...
ولو فعلت فسأعلمُ أنا.
___ __ ___

- اسمك..؟
-.....!
-عمرك؟
-.....!
- ما تهمتك..؟
- كنت انتظر منك ان تخبرني.
__ ___ ___

ذات يوم بعد صلاة الفجر سألك أحدهم وهو يبتسم
هل تحب..؟
ابتسامة عذبة حالمة ترتسم علي جانب شفتيك
وأنت تجيب في حياء وخفر:أن نعم.
___ ___ __

عشت طوال عمرك تحلم أن تري الفقراء والمحتاجين والطبقات
السفلي من فئة العاملين يعيشون في سعادة وصفاء،
كنت دائم الرثاء لهم، والتفجع عليهم،
انت لست فقيرا، لكنك لم تكفّ يوما عن الحلم نيابة عنهم..
حتي خالطتهم،
بينك وبين نفسك كنت تتسائل: من أين أتي السجان بكل هذه القسوه،
كان يوغل في تعذيبك..
بينما رحت تستعيد أحلامك من أجله.
_ ____ ___

يغلق المحقق الملف المتكدس بالاوراق أمامه،
يرفع اليك عينين حائرتين وهو يقول:
انا غير مقتنع بكل ماهو موجود هنا...فتكلم.
_ _____ _

الليل طويل وطويل...
والهم ثقيل وثقيل..
فالخوف يهدد أجفاني
واليأس القاتل أعماني...
وأجهض في حلقي الكلمات.
____ ___ ___


افتراش ارض الزنزانة قاس..ولو فكرت في مدي قسوته فلن يغمض لك جفن..
فكنت اضع يداي خلف رأسي..وأستلقي علي ظهري
لأفكر في أي شيء يبعد عن ذهني قسوة ما أنا فيه..
من الصعب نوعا ان تهرب بالتفكير من واقع كهذا،
لكن طيف عابر في سماء الزنزانة
ينجح في احداث المعجزة...
شكرا أيها الحب.
___ ___  __

الخطوة الاولي للتعرف علي زملاء الزنزانة ليست بالصعوبة التي تتصورها..
هذه الارواح المعذبة -أقول لنفسي- أطهر من ان تقترف اثما في حق احد.
___ ___ ___

تكلم..
يرددها المحقق في رفق محاولا تهدئة اعصابك.
لكن من قال انك كنت متوترا..؟
أنت لم تكن اهدأ يوما..ولا أكثر ثباتا..
ولهذا تكلمت.
___ ____ ____

نام الجميع..
انت لم تتعود بعد علي هذه الزنانزين الجماعيه،
هذه رفاهية لا تقاس مقارنة بزنزانة انفراديه،
بهدوء فتحت المصحف علي سورة يوسف
وأخذت تقرأ.
___ ___ ___

لقد بصقت في وجه أحد ضباط الشرطه،
هذه جريمة لا تنسي،
ولابد أن يكون عقابها هو الآخر لا ينسي.
___ ___ ___

آذان المغرب..
قد تكون هذه ليلة القدر..
تقولها لمن حولك..
في ظلمة الليل يتهجد الجميع،
لكن انت لم تفعل،
لقد غلبك البكاء..
وفي الركن القصي المظلم، وعلي ضوء شعاع قمر أخير
تناولت قلما لتخط رسالة الي أمك:
__ ___ ___
أمي..كيف أجفف دمعك؟
كيف أقبل أجفانك وأهدئ روعك؟
كيف تصافح كلماتي سمعك؟
يا أمي....
ليس بأيدينا شيئ
فالتجئ إلي ربي وربك.
واستمطري منه الرحمات
___ ___ ___

بعد الافطار ينفتح الباب ويطل منه وجه عابس
عربة الترحيلات تنتظر..
القيد يخنق معصميك..
أهلك في الجوار..تتحاشي نظرات عيونهم وتحاول ان تكون صلدا.
تعلم ان اباك مذبوح من الوريد للوريد،
لكنه في وجهك يبتسم
لا تملك شفتيك فتبتسم..
شكرا يا ابي.
____ ___ ___

كنت مستيقظا كعادتك حين ادخلوه الزنزانه
مغطي بالدماء والدموع
كنت مفجوعا فلم تقو علي النطق
اعطيته قميصك،وتلوت علي شلوه الممزع رُقيتك..
لحظات حتي فقد الوعي..
فعدت الي ركنك القصيّ لتكتب
___ ___ __

صوت الجلاد القاسي يتردد في الأنحاء
وأنين المرضي في وهن يتسلل في الأرجاء
والجرحي غرقي في برك دماء
والظلم العاتي الطغيان  يصيح..
لن ترحمكم مني سماء..!!
لن ينجيكم مني دعاء..!!
كونوا مرضي..
كونوا جرحي..
كونوا موتي
حتي الموت...
لن ينجيكم مني موات..!!
____ ___ ____

ضابط الشرطة لم ينس اهانتك له..
ولهذا جاءك متشفيا مع اول نزغة ليل..
ميعادنا بعد قليل..
وستري..

_____ ____ ____

هل أحسست من قبل بالخواء..
بأنك مثقوب لا تحس بخفة الاشياء
أو ثقل الهواجس.
لم يخيفني التهديد، بل أثقلني شعوري بالمهانه..بالعجز
بالضعف، فلم أرد.
__ ___ __
ألهذا الليل المظلم فجر؟
ألهذا الهمّ المثقل أمر؟
أسيبقي القيد يطوقني؟
أسيبقي السجن يهددني؟
أسيبقي الذئب يسوس الحمل؟
والرجل الفاجر يغتال الأمل؟
ولهيب الشمس يبدد ظل الغيمات..؟
لا تيأس أبدا ياقلبي...
هل يُغلب من ربي ينصره؟
هل يُعقل أن تغشو الظلمات...؟

___ ___ __

لا تحدثني عن الحياة..
حدّثني عن الموت.
___ __ __


(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.)
إن الاضطرار ليس مجرد حاله..انه شعور عارم يجتاحك حتي الثماله..
انها اضطرارة الحياة..والشعور..والأمل.
يالله
أنا مضطر فأجبني برحمتك.
___ ___ ____

آخر ما تذكره أنك وجدت ذهنك فجأة يستعيد صورة البحر
أنت تعشق البحر..
يالـكم تمنيت وقتها أن تراه.
___ ____ __

لم أدر كيف نمت..
لكني صحوت علي صوت جلبة وتوتر..
كان النهار يغمر كل شيء فاندهشت.
-ماذا هناك.
-لقد مات...
-من.؟.
-ضابط الشرطة الذي هددك بالأمس!
___ ___ ___

هل تكلمت أمام المحقق ساعة..
ساعتين...
أنت لا تذكر..
لكنك حين انتهيت كان الصمت يلفُّ المكان.
____ ___ ____

يُخْلَي سبيلُه فورا من سراي النيابه
بضمان محل إقامته...!
___ __

(أمن يجيب المضطر اذا دعاه..؟)
___ ___ ___

ان تعبير (أذهلته الفرحة) كان اصدق وصف لحالي وقتها..
لم اكن فرحا بالخروج قدر فرحي بالمفاجأه،
لقد أصبحت أؤمن أن أفضل ما يحدث لنا هو مالم نكن ننتظره.
___ ___ ___

وسط الفرحة والعناق
لا تنسْ من تركتهم خلفك في جحيم السجن
فتحزن.
___ ___ ___

في السيارة كنت وحيدا، انت وابن خالك فقط..
لم تتبادلا حرفا،
كان يختلس اليك نظرات فرحي،
لكنك كنت مشغولا بمحاولة البحث عن إجابة:
هل كنت أحلم..؟
هل مررت بكل هذه الأحداث حقا..؟
بدا لك الأمر وكأنك تفيق من كابوس ثقيل
لكنك قد نجوت.
___ ___ ___

(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 29 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ )
____ ___ ____

لم يفقد ايمانهم بك غير ثُلّة من الأصدقاء
واحد..
اثنين..
ثلاثه..
ثلاثة وحسب..
شكرا أيها الأصدقاء.
___ ___ ___


أختيك كادتا تطيران من الفرح،
امك لم تكف عن عناقك،
جيرانك وأقاربك ظلوا بجانبك حتي آذان الفجر
هل تريد من الدنيا شيء آخر..؟
__ __ ___

(علي هذه الأرض ما يستحق الحياة)
___ ___ ___

تتذكر سورة يوسف التي قرأتها في الزنزانة
فتردد
قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ)
___ ___ ___

ما أحسست بمعية الله وقربه ورحمته،
ومدي رأفته وقدرته وعظمته،
كما أحسست بها في مكانين اثنين:
الزنزانة..
وعرض البحر
___ ___ ___

 
شكرا ياااارب
__ __ __

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


ما رأيك فيما قرأت...؟؟؟؟؟...(((أضف تعليق)))..